الإعلام والقضاء والديمقراطية!

رامي الريّس

العلاقة الوطيدة التي تربط الحرية الإعلامية بالديمقراطية علاقة وطيدة، خاصة أن إتفاق الطائف كرس هذا المفهوم. فرغم هشاشة النظام اللبناني ولوثته الطائفية والمذهبية تبقى حرية التعبير عن الرأي من أسس النظام الديمقراطي، ورغم تشويه مفاهيم الديمقراطية التوافقية وتحويل حق المشاركة الى حق التعطيل من قبل بعض القوى السياسية وشل المؤسسات، تبقى حرية التعبير والحرية الإعلامية هي الأساس.

فقياس مستوى تأثير الإعلام في القرار السياسي يستوجب معرفة العناصر المكونة لإتخاذ القرار السياسي في لبنان، إذ أنه بالإضافة إلى مسألة الديمقراطية التوافقية اللبنانية، ثمة عناصر أخرى لها تأثيرها وفي طليعتها العوامل الخارجية، إذ قلما كان لبنان عصياً على التدخل الخارجي، فعدا عن الاحتلالات المباشرة والوصايات، لطالما تأثر اللاعبون اللبنانيون بالقوى الإقليمية المؤثرة، ولو تبدلت هوية تلك القوى، إلا أن الثابت بقي قائماً في المعادلة اللبنانية وهو أن ثمة تأثيرات خارجية، فاللعبة السياسية الداخلية والقرار السياسي لا يتخذ حصراً بناء على معطيات داخلية قد يكون الإعلام أحدها.

أما العنصر الآخر المتعلق بمدى تأثير الإعلام في صناعة القرار السياسي فله علاقة عضوية مباشرة مع غياب المحاسبة وآلياتها عن المشهد الداخلي بشكل شبه كامل. فالفساد يقع في معظم دوائر الدولة ولكن لا توقيف لفاسدين، وهذا يجعلنا نعرج على مسألة إستقلالية السلطة القضائية، لذا يحق لنا أن نتساءل:
أين استقلال القضاء في لبنان؟ أين الأجهزة الرقابية؟ أين تقف سلطة وزير العدل الذي يصدر مراسيم وقرارات لإسكات القضاة وإضعافهم؟ أين الشفافية في بعض الممارسات الحكومية عندما يمنع رئيس إدارة المناقصات من الإدلاء برأيه أمام وسائل الإعلام فقط لأنه فند بالقانون مخالفات هذا الوزير أو ذاك؟ أين وزارة مكافحة الفساد التي لم تجد فاسداً في لبنان تحيله إلى القضاء؟

وتطول لائحة التساؤلات!

فطالما أن آليات المحاسبة قاصرة عن إستكمال عمل وسائل الإعلام، طالما أن القرار السياسي لن يتأثر بشكل كبير في طبيعة تركيبته ونتائج قراراته.

إن التقدم الهائل لوسائل التواصل الإجتماعي والصراع الخفي بين الإعلام التقليدي اذا صح التعبير، والإعلام الحديث، قد يجعل القدرة على التأثير أكبر، ولكن ليس على قاعدة أن يُستدعى كل من كتب كلمة لا تعجب مسؤولا الى التحقيق!

لذا فالعقلية السياسية اللبنانية مدعوة اليوم لأن تدرك أن القدرة على إسكات الرأي العام غير ممكنة في لبنان قبل الثورة المعلوماتية، فكم بالحري بعدها؟ لذلك، فإن ما نشهده بصورة يومية تقريباً من إستدعاء للناشطين إلى التحقيق لا يعدو كونه غباء ما بعده غباء…

فلتعبر الناس عن رأيها، فهو المتنفس الوحيد الباقي لها بعد تعثر كل أشكال الإصلاح في البلد رغم الشعارات التي ملأت الدنيا طوال سنوات دون طائل…

 

(*) كلمة ألقيت بدعوة من جمعية “أفروديت” في حلقة نقاشية بعنوان: ” سيكولوجية تأثير الإعلام اللبناني في القرار السياسي”، بتاريخ 27 تموز 2018

 

——————————

(*) رئيس تحرير جريدة “الأنباء” الالكترونيّة

Facebook: Rami Rayess II

Twitter: @RamiRayess

اقرأ أيضاً بقلم رامي الريّس

التسوية شجاعة وإقدام!

الأحزاب وبناء الدولة في لبنان

أعيدوا الاعتبار لـ “الطائف”!

وفروا مغامراتكم المجربة… واقرأوا!

عن “الأقوياء في طوائفهم!”

ما بعد الإنتخابات النيابية!

لمن سأقترع في السادس من أيّار؟

إنه السادس من أيار!

لائحة المصالحة: قراءة هادئة للعناوين والتطلعات

لا، ليست إنتخابات عادية!

عن تجاوز الطائف والأكلاف الباهظة!

الشعب الإيراني يريد النأي بالنفس!

الإصلاح ثم الإصلاح ثم الإصلاح!

للتريث في قراءة مفاعيل التريث!

كيف ستنطلق السنة الثانية من العهد؟

تغيير مفهوم الإصلاح!

“حبيبتي الدولة”!

من حقّ الناس أن تتعب!

عن كمال جنبلاط الرؤيوي: سنواصل مسيرة النضال…

خمسون عاماً على “النكسة”: وكم من نكسات توالت!