قمة هلسنكي والمخاوف الأوروبية

د. ناصر زيدان (الخليج الاماراتية)

من العناصر التي تُميز قمة هلسنكي بين الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين، أنها جاءت في لحظة جفاء أمريكية مع الحلفاء الأوروبيين، وبعد توتر واسع أصاب العلاقات الأمريكية – الروسية منذ أكثر من عام. ولعلَّ توقيت القمة؛ بعد مغادرة قادة حلف الأطلسي هلسنكي، ومغادرة ترامب إلى لندن ثم العودة إلى هلسنكي مجدداً؛ للاجتماع إلى بوتين، يحمل رمزية خاصة، تدلُّ على حرص الجانبين الأمريكي والروسي ألا تتأثر قمتهما في الأجواء الأوروبية إلى حدود بعيدة.

لمدينة هلسنكي تاريخ حافل في تسوية التوتر بين الدولتين الكبيرتين. في العام 1975 عقد الرئيس جيرالد فورد والأمين العام للحزب الشيوعي السوفييتي الحاكم ليونيد بريجنيف قمة في المدينة، وكان التوتر بين البلدين كبيراً، خصوصاً حول الشرق الأوسط، ومشاكل النفط. وفي العام 1990 عقد الرئيس جورج بوش (الأب) والرئيس ميخائيل جورباتشوف اجتماع قمة في المدينة أيضاً، كانت لتنظيم العلاقة بين البلدين؛ ولكنها رسمت بالفعل خريطة طريق الانهيار السوفييتي، أو على الأقل نظَّمت عملية الانهيار، التي كانت قائمة.

مما لا شك فيه أن قمة هلسنكي هذه المرة، تحمل مؤشرات واسعة على أكثر من محور. فهي تبعث القلق على الجانب الأوروبي؛ لأن العلاقات الأمريكية – الأوروبية ليست على أحسن حال. الاتحاد الأوروبي يشعر بعدم الرضى من سياسة الرئيس ترامب؛ بعد الإجراءات القاسية، التي فرضها على صادرات الحديد والألمنيوم إلى الولايات المتحدة، وترامب بالأساس غير مُغرم كأسلافه بالشراكة مع الاتحاد، ويتعامل مع استمرارية حلف الأطلسي بالحد الأدنى من الحماسة؛ بهدف الحفاظ عليه دون تطوير أدائه. أما علاقة الرئيس فلاديمير بوتين مع الاتحاد ليست أيضاً في أحسن أوقاتها، وقد بدا واضحاً أن بوتين تخلَّى في ولايته الثالثة عن الغرام السياسي، الذي كان قائماً بينه وبين أغلبية القادة الأوروبيين، لاسيما من الألمان والفرنسيين، وهو حالياً على خلاف متعاظم مع بريطانيا، وعلاقته أقل من عادية مع دول الاتحاد الأوروبي الأُخرى، على خلفية مشاكل أوكرانيا، والشرق الأوسط، وعلى ملفات تصدير الغاز.

الرئيس ترامب أكد أن الأحداث في أوكرانيا وسوريا من أولويات القمة. والناطقة باسم الخارجية الروسية قالت إن الأزمة السورية لها الأولوية في النقاش. أما أغلبية نواب الحزب الديمقراطي في الكونجرس الأمريكي؛ فاعتبروا أن قمة هلسنكي بمثابة الهدية الأمريكية إلى الرئيس فلاديمير بوتين؛ لأنه لم يُقدم شيئاً إيجابياً للولايات المتحدة الأمريكية، وهو مُتهم بالتدخُل في الانتخابات الرئاسية الأمريكية لمصلحة ترامب.

مهما كانت نوعية الاتفاقات السرية أو المُعلنة التي تحملها القمة؛ لا يمكن التخفيف من آثارها السياسية على الساحة الدولية؛ ذلك أنها القمة الأولى، التي تُعقد بين الرئيسين عن سابق تصوُّر وتصميم؛ بعد لقاءات سابقة حصلت بالمصادفة، ودون جدول أعمال بين الزعيمين على هامش اجتماع قمة دول مجموعة العشرين في مدينة هامبورغ الألمانية، وفي مدينة دانانغ الفيتنامية على هامش اجتماع قمة «ايبك» لرؤساء دول آسيا والمحيط الهادي.
والموضوعان المحددان علناً في جدول أعمال قمة هلسنكي مهمان؛ لإرساء تسوية مستقبلية بين البلدين، يُخشى من تهميش فرقاء أساسيين معنيين فيهما، خصوصاً الاتحاد الأوروبي.

الموضوع الأول هو ملف الأحداث في أوكرانيا؛ حيث إن الأوروبيين يعدون الأمر في غاية الأهمية للأمن القومي لدول القارة، ورفع العقوبات الأمريكية عن روسيا من جانب واحد، يُشكل تطوراً دراماتيكياً، ويُشجع موسكو على التمادي في سياستها التوسعية؛ بعد أن ضمَّت جزيرة القرم إلى أراضيها في العام 2014. ولا يستغرب القادة الأوروبيون الوصول إلى اتفاق في هذا الاتجاه بين الرئيسين ترامب وبوتين؛ لأن ترامب طالب بإعادة روسيا إلى مجموعة الثمانية الكبار (الدول الصناعية الكبرى) في قمة كيبك الأخيرة في كندا.

أما الموضوع الثاني؛ فهو الملف السوري، وهو بطبيعة الحال مهم للأُوروبيين أيضاً، وأي تسوية مستقبلية له، تعني دول الاتحاد، لما لهذه الدول من مصالح واسعة في المنطقة تفوق المصالح الأمريكية. والتسوية حول سوريا – إن حصلت – تكون قد أتت في لحظة سياسية مناسبة لروسيا، على اعتبار أنها مع حلفائها حققوا تقدماً عسكرياً ملموساً على الأرض، يصل إلى حد الحسم العسكري؛ بعد أن تخلى الحلفاء الدوليون للمعارضة السورية عنها، وبعد أن تبين أن «داعش» كانت وهماً كرتونياً صنعه أطراف اللعبة؛ بهدف تشويه سمعة المعارضة، وتحسين صورة النظام. ولا تبدو «إسرائيل» بعيدة عن المقاربة الحاصلة، وربما تكون قد نجحت في إصابة عصفورين بحجرٍ واحد، وأمَّنت شكلاً من أشكال الاستقرار على حدودها الشمالية إلى أمدٍ بعيد بغطاءٍ روسي – أمريكي مشترك.

يمكن تسمية قمة بلاد البحيرات العائمة بين الجباري، بقمة التسويات والمخاوف.

اقرأ أيضاً بقلم د. ناصر زيدان (الخليج الاماراتية)

الاتحاد الأوروبي وملفات المنطقة

مستقبل لبنان بعد الانتخابات النيابية

الإعلان العربي لحقوق النساء من ذوي الإعاقة

الانتخابات الإيطالية وضباب القارة الأوروبية

الأسبوع الآسيوي – الأميركي

في حجم تأثير الأوهام السياسية

تغييرات في نمط العلاقات الدولية

إعادة خلط الأوراق في بلاد الشام

الأسرى الفلسطينيون والجرائم الدولية الموصوفة

العدالة الدولية عندما تصطدم بالسياسة

أسئلة بمناسبة ستينية الاتحاد الأوروبي

ميونيخ 2017: مؤشرات مُختلفة

حراك من نوع آخر في شرق المتوسط

عن تطور العلاقات السعودية – الصينية

قراءة هادئة في نتائج الاستفتاء البريطاني

تفاقم التوتر في بحر الصين الجنوبي

عن الرؤية «النهضوية» الجديدة في تونس

الأعراف الدستورية.. النموذجان البريطاني واللبناني

أوباما والمنطقة الآمنة في سوريا

التخبط السياسي وسياسة الدهاء