لجيل ما بعد الحرب: هذه حقيقة وزارة المهجرين

وهيب فياض

حتى لا تغيب الحقائق عن عقول اللبنانيين، في غابة الغوغائية والديماغوجية، وحتى لا تصبح بعض الشعارات الكاذبة، مسلمات، يصدقها من أطلقها زوراً لكثرة تردادها. وحتى يعلم جيل شباب ما بعد الحرب الأهلية حقيقة وجود وزارة شؤون المهجرين، ومن أجل تبيان الحقائق، وفرز نفايات الكلام والشعارات وجب التوضيح.

يوم تم الاتفاق على وقف الحرب اللبنانية، بقرار دولي وإقليمي، وافق الأقوياء من الأطراف اللبنانيين، على نهوض لبنان من كبوته، بمباركة دولية ورعاية إقليمية سورية سعودية، واذ كان لا بد آنذاك من تعاون الجميع على محو آثار الحرب، فقد رسمت التسوية أدوار من يتولون هذا الأمر الجلل.

من سوء حظ وليد جنبلاط، وهو الأقدر على إعادة اللحمة المفقودة، ان يلقى على عاتقه ملف إعادة المهجرين وإعمار قراهم وصرف المال اللازم للتعويض عن الأضرار، سواء كانت بالانفس او بالاموال، وإجراء المصالحات بين من جعلتهم الحرب في مواقع العداوة، التي لا بد ان تنتهي بإنتهاء أسبابها الداخلية والخارجية.

لقد كان ملف المهجرين صليب وليد جنبلاط على درب جلجلة المصالحة والعودة، وقد حمله على مدى عشرين سنة ويزيد، فما ان أوصله الى خواتيمه السعيدة والتي لا ينكرها الا جاحد او حقود، حتى علا صراخ من كان يفترض انه حمل صليبه من أجلهم، وكما في زمن السيد المسيح -اصلبوه-.

وبما ان المجال لا يتسع للتفاصيل، نورد فقط حقيقة ان من وقعت عليهم آنذاك قرعة اعادة البنية التحتية، من ماء وكهرباء وهاتف وتأهيل لطرقات القرى، قد حلت عليهم نعمة ما أوكل اليهم، فلم يشربوا الخل كما شربه حامل الصليب، بل تنعموا بخيرات السمسرات والهدر، ويكفي ان يعلم المواطن ان ما صرف آنذاك لإعادة تأهيل معامل وشبكات الكهرباء، ناهز الاثني عشر مليار دولار، لم تنل الكهرباء فيها من الجمل إلا أقل من أذنه، والدليل ما يعانيه هذا القطاع اليوم، وصار الباقي في جيوب من كُلف بالمهمة، ومن كلفه بالمهمة، وعذراً على مخالفة مبدأ اذكروا محاسن موتاكم، لان هؤلاء تحولوا بين ليلة وضحاها من أشخاص يلبسون البذة العسكرية، الى لابسي بذات السموكن، وأصحاب اليخوت والثروات.

والكهرباء مثل من فيض أمثال. أما وزارة المهجرين، والتي لم يتجاوز مجموع ما صرفته منذ تأسيسها وحتى الآن سقف الملياري دولار، رغم انها مولت، قبل إعادة إعمار القرى، إعادة إعمار الثقة بين من شبه لهم يوما انهم أعداء.

ملياري دولار، صرفت على إعمار القرى المهجرة، وعلى التعويض عن الانفس والثمرات، وعلى تبييض القلوب وغسلها، وعلى إعادة إعمار دور العبادة في كل قرية مهجرة، وعلى تعويضات الأَخِلاَّء من البيوت التي سكنها المهجرون قسراً بسبب الحرب، وهي للعلم، ليست جميعها، ولا أكثريتها في جبل لبنان الأوسط، الذي ناله القسط الأكبر من التهجير. وحتى بالأرقام والمبالغ، فإن ما دفع كتعويضات، في بيروت وفِي الشمال، وفِي مناطق أخرى، قد يزيد عما صرف في محافظة جبل لبنان بكاملها.

أقل من ملياري دولار، كانت كافية لإنهاء ملف التهجير، وعودة المهجرين، ومحو صورة الحرب البشعة عن وجه المناطق التي كانت أبنيتها مهدمة كلياً او جزئياً او مصابة بآثار مرض الجدري على جدرانها وأبوابها لكثرة ما اخترقها من رصاص وقذائف.

أقل من ملياري دولار أنتجت عودة الروح الى جسد الوطن بمصالحات كانت عند نهاية الحرب تبدو مستحيلة وضرباً من الخيال، بدأً من مصالحة معاصر الشوف، وما تلاها من اقفال ملفات القرى الاخرى، وانتهاءً بالمصالحة الكبرى المكللة ببركة القديس الحي مار نصرالله بطرس صفير.

ثمن قليل، لإنجاز بحجم الإعجاز، خصوصاً اذا ما طرح منه، بدل إخلاء وادي الذهب كما يسمونه، ومشاريع البنى التحتية للقرى والبلدات المهجرة، مع ان هذه المبالغ تشكل نقطة مضيئة لولاها لما تم إغلاق ملف التهجير.

أقل من ملياري دولار، ذهب القسم الأكبر منها لإعمار بيوت الفقراء وقراهم. واذا ما تسرب بعض الماء من بين الأصابع، وهو أمر طبيعي، في بلد خارج من الحرب، فإن التسرب لم يكن لمصلحة الباحثين عن الثروات بل لمن ليس على اجسادهم قميص يستر العورات.

هل سأل أحد، مطارنة صيدا والشوف، وكرسي المطرانية في بيت الدين، وأغلب من تولوها احياء يرزقون، كم ساهمت وزارة المهجرين معهم لإعادة أبناء رعيتهم الى قرى لا تفتقد مرفقاً، من الطريق اليها وحتى الكنيسة فيها.

هل كانت وزارة المهجرين في عهدة وليد جنبلاط، دجاجة تبيض له ذهبا اذا كان هذا حجم انجازاتها، وهذه مبالغ انفاقاتها.

وهل تعادل كل المبالغ المصروفة في وزارة المهجرين، ما يسقط من أضيق مزراب مكسور من مزاريب الصفقات والسمسرات، برغم استعانة بعض الزعماء السياسيين، بمال وزارة المهجرين احيانا مستعملين كل قوة ضغطهم السياسي لارضاء محازبيهم، وهؤلاء في كل حال من الفقراء الذين يحق لهم ان يشربوا من نبع دولتهم، شربة تبل ريقا ولكنها لا تروي عطشاً.

وأخيراً وليس آخراً، هل كان أهل الحكم جميعاً ليدعوا وزارة المهجرين على مدى عشرين عاما في يد وليد جنبلاط، لو كانت دجاجة تبيض ذهباً. ام انهم كانوا يعرفون انها  (ليخة) ودجاجة لا يرجى منها لحم ولا بيض، ولا يقبل بها الا من تعود حمل الصليب، صارخاً الحق يقول لكم، وبعضكم يستمتع بالصراخ ان اصلبوه.

ان هذا السرد ليس رداً على أحد، في لحظة سياسية، ولكنه شهادة للتاريخ، موقعة من الكثيرين ممن تبرعوا في السنوات الأولى لإنشاء وزارة المهجرين للعمل دون راتب ودون مقابل، لاحياء جسد الوطن الذي رمته الحرب شبه جثة على فراش الموت، فلما تعافى تنكر لهم وأنكر عليهم حقهم في المواطنة والمساواة في الحقوق.

نعم أغلقوا هذه الوزارة، واستعيضوا عنها بوزارة مفيدة، بعد ان استنفدت الهدف من وجودها وأصبحت معرضة لمرض استغلال النفوذ السياسي، ممن يرونها ارفع شأنا كحقيبة من وزارة بلا حقيبة.

(الأنباء)

اقرأ أيضاً بقلم وهيب فياض

نزار هاني: أرزتك أطول من رقابهم!

ما وراء خطاب العرفان!

عن الفتح المبكر للسباق الرئاسي: قتال بالسلاح الأبيض والأظافر والأسنان!

عهد القوة ام العهد القوي؟

من موسكو: تيمور جنبلاط يجدل حبلاً جديداً من “شعرة معاوية”!

حذار من تداعيات إزدواجية المعايير!

عن دستور ظاهره مواطنة وباطنه عفن سياسي!

لا تحطموا برعونتكم أعظم إختراع في تاريخ الديمقراطية!

رسالة من العالم الآخر: من أبو عمار إلى أبو تيمور!

لتذكير من لا يذكرون: تجارب وزراء “التقدمي” مضيئة وهكذا ستبقى!

يحق لوليد جنبلاط أن يفاخر!

تبيعون ونشتري

إنه جبل كمال جنبلاط!

إلا أنت يا مير!

ادفنوا حقدكم لتنهضوا!

الإصلاحيون الحقيقيون: إعادة تعريف!

مطابق للمواصفات!

خيارات المختارة وتحالفاتها: قراءة هادئة!

عصام ابو زكي… أيها الفارس المترجل

للنافخين بأبواق الفتنة: لا صدى لها إلا في آذانكم!