عن كمال جنبلاط والفرح بالعمل

د. قصي الحسين

كنت في السنة الأولى في الجامعة اللبنانية – كلية الآداب، حيث هي اليوم قرب الأونيسكو، أحضر “سيرتيفيكا في الثقافة العامة” والتي كان نظام الدراسة في كلية الآداب، يفرض نيلها على من يرغب في متابعة الدراسة في السنة الثانية، في أي قسم من أقسام الكلية. وكانت هذه الشهادة الّتي نحضرها وحدها خلال عام بأكمله، تفرض شروطها على الطالب، بحيث يجب عليه أن ينال “درجة حسن” أقله في رصيدين، من أرصدتها السبعة، بالإضافة إلى خمسين بالمئة من مجموع العلامات. ولهذا كان المقبول في السنة الثانية يعرف بلقب “الحسنين”، أكثر مما يعرف به ذئب الصحافة العربيّة الأستاذ “محمّد حسنين هيكل”، آنذاك. ولذلك كانت نسبة المقبولين متدنية إلى حدود 10 % من الألف طالب المسجلين في “الثقافة العامة”.

كان العام الدراسي عندي هو (1969- 1970). وكنت آنذاك قد عينت مدرساً في مطلع العام 1969، في مدرسة طيرفلسيه في قضاء صور، والتي تبعد عن مدينة قدموس/ صور زهاء الثلاثين كلم إلى الشرق. وما دام أنني كنت أمشي إلى مدينة حمص قبل بزوغ الفجر وأعود إلى بلدتي مشتى حسن على الحدود اللبنانية السورية، ومعي حاجات السوق لأهلي، فإني تعودت أن أطوي المسافات الطويلة ليلاً، و”أسجد عند منبلج الصباح”.

كنت لا أعود إلى قريتي إلاّ مرة في آخر كل شهر. أودع راتبي أو معظمه في جيب أبي وأعود إلى طيرفلسيه للتدريس، واستأذن مديرها آنذاك الزميل د. محمود عيسى في مغادرة المدرسة كل خميس. وكنت أردد أمامه ممازحاً، بيت المتنبي الشهير، يمدح سيف الدولة:

“خميس بشرق الأرض والغرب زحفه             وفي أذن الجوزاء منه صماصم”

ألتمسه مدخلاً أدبياً للنـزول إلى بيروت ومتابعة الدراسة في كلية الآداب وتحصيل “شهادة الثقافة العامة”.

كان د. محمود عيسى متساهلاً معي في غياب يوم السبت عن المدرسة. لأنه يعرف أنني سأعود نهار الاثنين أستاذاً مجدداً بالمحاضرات. وكنت لا أخيب ظنه، فلطالما كنت أجدد طرق تدريسي في الصفوف، وأحدثه عن ذلك. وأجدد طرق حديثي الثقافي معه وأحدثه عن ذلك، حتّى أثرته للتسجيل في الجامعة في العام التالي.

وكانت الحركة الطلابية في الجامعة اللبنانية في أوج نشاطها، وزعيماها: أنور الفطايري وعصام خليفة. وكان كلاهما، لا يكلان في التحضير للمحاضرات الثقافيّة، خلال أيام الأسبوع. وكانت المنافسة حامية، وكانت الأنشطة الثقافيّة توقد الأذهان وتشعل النفوس والقلوب بأنوار الثقافة والمعرفة. وكانت عناوين المحاضرات وأسماء محاضريها، على جريدة حائط الكلية بالتواريخ والساعات والأمكنة والقاعات. فكان الطلاب ينشطون لتوليف أنفسهم جماعات جماعات. مما كان ينشط العمل الثقافي، ويدب الغيرة في النفوس بين طلاب “حركة الشباب الديمقراطي” وطلاب “حركة الوعي”.

كان الطالب الزائر، مثلي، والذي ينـزل ضيفاً على صديقه الطالب المقيم، يتأثر حتماً به. وكنت أنا أكثر تأثراً باليسار الطلابي ومن كنت ألتقي بهم من هؤلاء في كافتيريا الآداب أو في كافيتيريا كلية التربية المجاورة لها. وكانت هذه الأخيرة تشكل عاصمة طلابية موحدة “للشباب الديمقراطي” و”حركة الوعي” على حد سواء.

وكان خطاب حركة الشباب الديمقراطي، جاذباً لي ولأمثالي الكثيرين. فهو يصدح بالشعارات اليسارية ويصدر عن ينابيع الاشتراكية الدولية. وكان طلاب الشباب الديمقراطي يستعينون بشعارات وشروح قادة الحركة الوطنية، وفي طليعتهم قائد الحركة الوطنية الشهيد كمال جنبلاط.

كان كمال جنبلاط في العام الدراسي (1969- 1970)، أنشط قادة اليسار وأكثرهم حركة على المنابر الاعلامية. وكان لا يهدأ ولا يستأني ولا يني. تتخاطفه المنابر الثقافيّة والسياسية والإعلامية في بيروت طيلة يومه فقط. وكنت وزملائي أكثر احتشاداً به وأكثر حشداً له في الكليتين التوأمين الآداب والتربية. فما أن نسمع بمحاضرة له، حتّى نشد إليه الرحال، في أي مكان كان. كنا نتبع جمال لفظه وجمال ثقافته وجمال أسلوبه وبيانه، وجمال إيماءاته وإشاراته وترميزاته، فكيف بجمال شواهده.

وأما أنا، فكان ذلك أكثر ما يأسرني في القائد السياسي، حين ينسج شال السياسة بخيوط من حرير الأدب والشعر والنقد. كنت أشعر أنه بعد كل سماع، أصير أكثر رقة وأكثر دقة. وما كان يصح لي أن اقرأ له إلاّ بعض المحاضرات والخطب، الّتي كانت توزع لنا، فنتهافت عليها كالسندويشات في الكافيتيريا ونمضغ لقيماتها مع عصائر الأحاديث الشبابية المتفاعلة معها والنقاشات العاطفية، فتسيل على الخدود حمرة الورود.

بهذا المعنى، كنا نقطع محاضرة الأستاذ في الصف، لنلتحق بمحاضرات كمال جنبلاط، أو بالمحاضرات عنه، مأخوذين بالجمال السياسي، تماماً كما كان عمر بن أبي ربيعة مأخوذاً بالجمال الأنثوي. وكنت وأنا ذاهب إلى محاضرات كمال جنبلاط، أردد في نفسي قول عمر بن أبي ربيعة متشبعاً ومتشبهاً به: “أني موكل بالجمال أتبعه حيثما أجده”. وكنت أنا في مطلع حياتي أميل إلى اتباع جماليات كمال جنبلاط، لأنني كنت أعتبر نفسي شريكه في حمل عبء العالم على كتفي. وكنت وإياه حتّى برهة شهادته، كما قال الشاعر العربيّ:

كناطح صخرة يوماً ليوهنها وما وهنت وأوهى قرنه الوعل

مساء الأوّل من ايار من العام 1970، كانت دار الآداب والفن في بيروت على موعد مع كمال جنبلاط، يحدث جمهورها تحت عنوان: “العمال والفنانون”. وكان هذا العنوان كما المكان، كما كمال جنبلاط، جاذباً حقاً، لي ولزملائي من الكليتين التوأمين: “الآداب والتربية”، فسالت بنا الشوارع إليه.

حدثنا أولاً عن مبتدأ العمل والفن: 1- العمل بما هو حركة من حركات النفس البشرية. والفن بما هو حركة سحرية ودينية، واستشهد بما وصفه: العبارة الرائعة “لتيلاردو شاردان” واستشفافه آفاق المستقبل: “لا يوجد بالملموس لا مادة ولا روح. ولكن يوجد فقط مادة تصير روحاً. ليس في العالم لا روحاً ولا مادة. فقماشة الكون هي “الروح – المادة”. فلا جوهر غير هذا يمكنه تكوين الجزئية الإنسانية”.

وانتقل المعلم كمال جنبلاط ليحدثنا عن الثنائية التالية الّتي أولدتها الفكرانية المحض عند ديكارت، فقال: إنها هي الّتي أولدت الآلة والحضارة الصناعية الأولى في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. لكن العقل بقي بعيداً عن التعبد للعلوم التطبيقية الناشئة. فشعر الإنسان بتمزق في داخله من جراء مخالب الفولاذ والنار في أفران الصهر الكبرى. وبذلك انفصل الفن عن العمل لتطور الصناعة الآلية. واصبح العمال يقبضون على أساس القطعة وليس على أساس جودة العمل المنجز. فتأخرت المرحلة الفردية والرؤيا المحضة، خاصّة في البلدان الرأسمالية.

وقد جرت محاولتان اثنتان، يقول كمال جنبلاط لمصالحة الفن والعمل، 1- عندما اعتمد الصناع على توزيع قطع صناعية على القرى والمنازل، مثل الساعات في السويسرا، فشكل ذلك فألاً سعيداً للإنسان في الأرياف والقرى والمدن. 2- تزيين جو المصانع بالحدائق الواسعة وجنينات الأزهار، تواكب عزف الموسيقى والتخفيف من ضجيج الآلات.

ويقول كمال جنبلاط: إن لعنة العمل في الثورات معروفة جيداً: فهي لا تزال تثقل بعض الأحيان، مصيرنا في الحضارات الأوروبية المتأخرة. غير أن ما نطلبه هو “العمل في الفرح”، أو “الفرح في العمل”. وقد كان ذلك حلم فوريه وسان سيمون يقول كمال جنبلاط، وهما من رواد الاشتراكية. وهي رسالتنا جميعاً إلى المستقبل. ولا يمكن لأحد أن ينـزعها منا. ويرى المعلم أن بناء ذلك يحتمل المرور بثلاث مراحل:

1- مرحلة تجسيد الفن في العمل. 2- مرحلة الانفصال والمقابلة بين الفن والعمل. 3- مرحلة العودة إلى شكل جديد من الوحدة بين الفن والعمل. العودة إلى مفهوم الكل، الكوني، الإنساني.

ويقول المعلم إن ما يتطلع إليه الإنسان هو آلية الطريق إلى الفرح، لا الآلة. فالآلية تهدف في النهاية إلى تحرير الإنسان من ثقل صنم عمله. وآنئذ يبتهج الإنسان بأفراح الفن، وبأفراح العمل لأنهما يصبحان شغل الجماهير. وهو بعض أشكال الفن في الماضي. ويؤكد المعلم: إن أجمل متع الأرض وذروتها، إنما هو في جمالها التشكيلي والموسيقي. وهو الذي يحدث في إثره دون شك نهراً كبيراً من الفرح، من الفرح الحقيقي. لأنه حيث يسكن “الأنا”، فلا تلبث اللذة أن تتحول إلى إحباط وألم.

ويتساءل المعلم كمال جنبلاط: ما إذا كانت الحضارة الّتي نعيشها ستدمر الإنسان أم تنقذه؟ وهو يرى أن الإنسان، على شاكلة جده الإنسان القديم، الرسام في الكهوف، إنما يحتاج إلى العفوية والى الخلق عبر الفن وعبر الانفصال عن الآلة والفرح بالفن توأم العمل. وهو ينادي بتجنب دمار العالم الذي يسرع الخطى إليه، وذلك بالعمل على عدم “برجزة العالم”. عبر البحث المقيت عن الذهب أو عن الصيت الحسن، عبر حرق القليل من البخور أمام مذبح معين. فالآلة نفسها بعد القضاء على مفهوم الطبقات، أليست آيلة إلى رافعة أو دولاب والى الصلات المحتومة بين العناصر المختلفة لإبداع “برهة بروميثوس” والفرح بالشعلة الّتي قبض عليها.

ويقول المعلم متابعاً لقد احترقت أدمغة فنانينا، في جريهم نحو عالم اللاواقعية المحض بدافع من الرأسمالية والمترسملين، وتخزين عدد لا يحصى من الأوهام والطوباويات المختلفة في أذهانهم. ذلك أن الفنانين المستقبليين، معنيون قبل غيرهم بالانتفاض ضد “الآلة الصماء” الّتي لا تستمع لأنين الفقراء، وضد المجتمع الصناعي الذي أوجدته الذي يدمر المجتمع والناس ومعهم العمال. وضد المدينة/ الوحش والحياة البرجوازية والدولة البيروقراطية. فهم بعكس ذلك يفتشون عن العفوية، الّتي عمق وجوهر كل فن. فالآلة بنظر المعلم، يجب أن ترقى إلى “الصف الإنساني”، لأن “الإنساني” يتجسد فيها ويجد مسكنه، ويتجسّد فيها أيضاً الفن بكل ما يولده من فرح. ويختم كمال جنبلاط قائلاً: ولكن “أن نرى” هو الأهم.

 

* أستاذ في الجامعة اللبنانية

اقرأ أيضاً بقلم د. قصي الحسين

حين السياسة بمفعول رجعي

ترامب والتربح من الصفقات

عن النظام يأكل أبناءه الفوعة وكفريا نموذجاً

مصطفى فروخ وطريقه إلى الفن

 الرئيس القوي

 د. حسين كنعان وأركيولوجيا القيافة والثقافة والسياسة

 ضياء تلك الأيام

 تتجير السلطة

تيمور جنبلاط بصحبة والده في السعودية زيارة تاريخية إحيائية

 كوفية تيمور ومليونية القدس وجه آخر للاضطهاد والإحتلال

تجديد “نسب الخيل لابن الكلبي” ونسخ لمخطوطاته التراثية الثلاث

عاميات عبد الحميد بعلبكي في “حديث الشيخوخة”

شفق المختارة

 الانتخابات النيابية والحجج السيئة

 تبني الديمقراطية

د. طلال مجذوب مؤرخاً: كرنولوجيا جمعية المقاصد في صيدا نموذجاً

 عن عشرة أيام هزت إيران

 في ذكرى كمال جنبلاط: عن المنارة التي هوت وسلمت شعلتها للجماهير

 عن تركيا إسفيناً سورياً

سليم يوسف: صيدا لؤلؤة ساحل الشام