مستقبل لبنان بعد الانتخابات النيابية

د. ناصر زيدان (الخليج الاماراتية)

مجموعة من الاعتبارات التي حصلت في الفترة الأخيرة تطرح بعض الخواطر حول المستقبل الذي ينتظر لبنان، ويتشعّب عن هذه الاعتبارات تساؤلات عديدة، منها على سبيل المثال: هل يمكن أن يعيش لبنان مرتاحاً في أعقاب رفع منسوب المشاعر الطائفية الذي حصل من جراء الانتخابات؟ وما هو مستقبل الديمقراطية في البلاد إذا ما كانت هذه الديمقراطية تُساهم في تشويه إرادة الناس من خلال استخدام وسائل فيها شيء من الارتهان للنفعية الآنية، بهدف إرضاء حاجة مؤقتة؟ إضافة إلى السؤال الكبير الذي يُطرح حول، هل قواعد السياسة المُعتمدة حالياً تحافظ على لبنان، أم أنها تُلغي الفكرة اللبنانية عن بكرةِ أبيها مع مرور الزمن؟

ألغى قانون الانتخاب الذي جرت بموجبه الانتخابات النيابية التنافس السياسي بين القوى السياسية والأحزاب على أساس البرامج أو الميول العامة، وفرض على الأحزاب العلمانية، أو التي لا تؤيد الطائفية السياسية؛ الدخول في «بازار» اللعبة الطائفية والمذهبية لحشد الناخبين، وخرج بعض هذه الأحزاب عن أدبياته السياسية والعقائدية لصالح خطاب سياسي تحريضي وطائفي، ولكنه يضمن لها بعض الأصوات الانتخابية، ذلك لأن القانون أوحى بأنه اعتمد لكي تنتخب كل طائفة نوابها، بل إنه بالفعل يؤدي إلى هذه النتيجة تقريباً، ومع الوقت قد يُلغي العيش المشترك (السياسي والاجتماعي) على اعتبار أنه ألغى جزءاً كبيراً من المطلبية الواحدة لشرائح الناس، وأبرز حالة التخويف المتقابل للبنانيين من بعضهم البعض، كأنما كل طائفة تهدد وجود الطوائف الأُخرى، بينما الواقع أن مجموعة الطوائف اللبنانية تشكل شعباً واحداً، له قيمه الراقية في المدنية والديمقراطية، وفي تأصُّل سمة التسامح والحرية.

وسمح قانون الانتخاب – من جهة ثانية – بالوصول إلى الندوة النيابية لبعض المتمولين أو الطامحين، عن طريق دفع المبالغ المالية التي تكفل لهم الحصول على عدد قليل من الأصوات تسمح لهم بالفوز في بعض الدوائر، لأن توزيع المقاعد النيابية على حصص طائفية أو مذهبية، يُمكّن بعض المرشحين من الصعود إلى قطار البرلمان بالصدفة من خلال الحصول على عدد قليل من الأصوات التفضيلية.
من جهة ثانية، فإن العديد من النُخب السياسية والأكاديمية ورجال الاقتصاد يطرحون أسئلة غريبة عن الخوف الذي يعتريهم من المستقبل، برُغم أن شيئاً من الاستقرار يسود في الربوع اللبنانية، بينما تُحيط ببلاد الأرز اضطرابات مُخيفة من جراء تفاقُم الأوضاع في سوريا وتمادي العدوان «الإسرائيلي» على الشعب الفلسطيني.

السؤال الأول الذي يطرحه هؤلاء: هل أن عوامل استقرار الأوضاع متوافرة في المستقبل في ظل نمطية حكم جديدة، يعتمدها «الاستبليشمن» المحيط بدوائر الرئاسة الأولى، ومعها بعض المحيطين في الرئاسة الثالثة؟ واضح أن هؤلاء يتحدثون عن تبادل خدمات نفعية، بعيداً عن الحسابات الاستراتيجية أو العقائدية.

بعض النُخَب – لا سيما في البيئة المسيحية – يعتريها شيء من الخوف من نتائج هذه المقاربة المُعتمدة، ويرون فيها مغامرة غير محسوبة المرامي.

وتخاف بعض الهيئات الاقتصادية من السياسة المعتمدة عند «الاستبليشمن» الجديد، ويقول بعض الفاعلين في هذه الهيئات: إن هذه الحلقة الحاكمة؛ فشلت في توفير أرضية مناسبة لتحفيز الاقتصاد الذي يعاني من جمودٍ مُخيف، وكذلك فإن حركة الأسواق المالية، ليست على ما يرام، لأن ارتفاع الفوائد العالمية قد يؤدي إلى خسارة ودائع مالية جاءت إلى لبنان في زمن الصراع في العراق وسوريا، وهذه الودائع قد ترحل عن لبنان، إذا ما رأت أن المغامرات السياسية قد تؤثر على الاستقرار، وإذا ما لاقت ربحية أكثر في أسواق خارجية أخرى.

لا يوجد اتفاق في رأي المتابعين على كون بعض الحسابات السياسية الجديدة – والتي تستقوي بنتائج الانتخابات النيابية، وبنفوذ المقربين من دوائر الحكم – ستؤدي إلى رخاءٍ اقتصادي واستقرارٍ سياسي يُعيد للبنان دوره الحيوي في المجالات السياحية والصناعية والزراعية والمالية والخدماتية.

اقرأ أيضاً بقلم د. ناصر زيدان (الخليج الاماراتية)

الإعلان العربي لحقوق النساء من ذوي الإعاقة

الانتخابات الإيطالية وضباب القارة الأوروبية

الأسبوع الآسيوي – الأميركي

في حجم تأثير الأوهام السياسية

تغييرات في نمط العلاقات الدولية

إعادة خلط الأوراق في بلاد الشام

الأسرى الفلسطينيون والجرائم الدولية الموصوفة

العدالة الدولية عندما تصطدم بالسياسة

أسئلة بمناسبة ستينية الاتحاد الأوروبي

ميونيخ 2017: مؤشرات مُختلفة

حراك من نوع آخر في شرق المتوسط

عن تطور العلاقات السعودية – الصينية

قراءة هادئة في نتائج الاستفتاء البريطاني

تفاقم التوتر في بحر الصين الجنوبي

عن الرؤية «النهضوية» الجديدة في تونس

الأعراف الدستورية.. النموذجان البريطاني واللبناني

أوباما والمنطقة الآمنة في سوريا

التخبط السياسي وسياسة الدهاء

مخاطر دستورية تُهدد الاستقرار اللبناني