طبق الفول المدمّس وثقافة الكذب

محمود الاحمدية

“إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يدُ الله فوق أيديهم، فَمَنْ ينكثُ على نفسه، ومن أَوْفى بما عاهد عليه الله فَسيُؤْتيه أجراً عظيماً”. (سورة الفتح: 10).

كان ذلك عام 1986 عندما كنت في الرياض في المملكة العربية السعودية ومن خلال علاقة شركتي كوكلاء عن شركات إيطالية في مجال السقالات والقوالب الحديدية، كانت مروحة علاقتنا تطال جزءاً من المقاولين الكبار… وتوطدت العلاقة مع أحدهم والذي كانت تغطي أعماله كل أنحاء المملكة… كان صديقي المقاول الكبير يثق ثقة عظيمة لا شائب عليها برئيس مهندسيه في شتى المشاريع… وهذا المهندس تسلق سلّم المجد بسرعة فائقة حتى وصل إلى رئاسة قسم الهندسة…

وفي إحدى لقاءاتي مع صديقي المقاول، سألته عن المهندس جميل لأن علاقتنا كانت به على الصعيد التقني، فقال لي فجأة صديقي المقاول عصام: طردته وهذا كلام بيني وبينك ولا أقوله لغيرك… واندهشت بل صعقت لسماع الخبر القنبلة… فأردف عصام قائلاً: لا تتعجب وهذا درس لي ولك ولكل الناس واذكر ما قلته لك أمام الآخرين بدون تسمية لأنها أمثولة ونموذج… وأضاف، وسط ذهولي: في أحد الأيام مرضت وجاء المهندس جميل يزورني لمراجعتي في مجموعة قضايا وعندما هَمّ بالمغادرة قلت له: مهندس جميل ما تنسى بكرا تميّل عليي الصبح باكراً وأنت مارق جبلي معك (طبق فول مدمّس) من أحد أشهر المطاعم المشهور في هذه الأكلة الصباحيّة وكان طلبي هذا من قبيل توطيد العلاقة الطيبة التي تقرّب المسافات بيننا وتقوّي المحبّة وأستطيع أن أطلبها من عشرة أشخاص آخرين يخدموني…

ذهب جميل إلى عمله، ثم سهر سهرة عرمرمية مع أصدقائه، وفي الصباح جاء كعادته كل صباح بعد مرضي لعيادتي والسؤال عني وقد نسي كل شيء عن طبق الفول المدمّس المطلوب… ففاجأته بقولي: هل نسيت طبق الفول المدمّس؟؟ وفوجئ المهندس بالسؤال واضطرب واضطر أن يكذب ويقول له أنه لم ينسَ وادّعى أنه ذهب في الصباح إلى المطعم فوجده مغلقاً بسبب وفاة أخ صاحب المطعم… وسكتّ ولم أقل شيئاً أردف عصام…

وبعد انصراف المهندس جميل استقل الأستاذ عصام سيارة متحاملاً على نفسه وذهب إلى المطعم، فوجده مفتوحاً ودخل إلى إحدى الموائد واستدعى صاحب المطعم وقال له: العوض بسلامتكم، الله يرحم خَيّك! وفتح صاحب المطعم عينيه دهشة، فسأله عصام ألم يمت شقيقك؟؟ قال: لا وعاد يسأله ألم يمت أحد من أقاربك؟ أجاب: لا… فسأله: هل تأخرت في فتح المطعم؟؟ أجاب لا… فتحت كالعادة الساعة السابعة صباحاً كعادتي كل يوم… وتوجه عصام فوراً إلى مكتبه وأصدر قراراً بفصل المهندس جميل من جميع مناصبه في الشركة…
ووسط ذهولي واندهاشي: هل يساوي طبق الفول المدمّس كل هذا العقاب الصارم؟؟

أجاب بثقة وبخبرة: نعم… إن الرجل الذي يكذب عليّ في طبق الفول المدمّس سيكذب عليّ بملايين الريالات والدولارات إن هذه وظائف ثقة وما دام قد فقد ثقتي فهو لا يصلح أن يقود مجموعة المهندسين ويكمل عمله معي!!

مهندس وصل إلى راتب في الرياض لم يحلم به أحد المهندسين الموظفين في الرياض… أضاع فرصته بسبب كذبة رافقت طبقاً من الفول المدمّس…

إنها عبرة حقيقية ونموذج حقيقي لقيمة الوفاء والصدق والشفافية في أيام يمرّ فيها كل لحظة قصة مشابهة ولا من رقيب ولا حسيب وكله ماشي والوطن ماشي… أما ماشي على شو؟؟ هون السؤال؟؟ وإلى أين… كمان هذا هو السؤال.

*رئيس جمعية طبيعة بلا حدود

اقرأ أيضاً بقلم محمود الاحمدية

في ذكراها الـ 74 اسمهان: قصصٌ خالدة

طبيعة بلا حدود ربع قرن من النضال البيئي

فريد الأطرش وشوبرت والفن العالمي الخالد

يوم البيئة العالمي: التغلب على تلويث البلاستيك

قطعة الماس في جبل من الزجاج

مسيرة منتدى أصدقاء فريد الأطرش تشع في دار الأوبرا في القاهرة

السفير المطرود ظلماً وقهراً

هادي أبو الحسن… لمسة وفاء

المناصب راحلة… أما المبدعون فباقون في ذاكرة شعوبهم

القانون المسخ والنفاق المدمّر

في ذكرى استشهاده: المعلم قامة فكرية تسكن الزمان والمكان

ما قبل الانتخابات… بعيداً عن دموع المواطن

العقل وروح الحريّة وفيلم “The Post”

الهمجية الصهيونية والتدمير الممنهج لبيئة فلسطين

إلى متى ستبقى الأملاك العامة البحرية ملفّاً فاسداً بامتياز؟

“ندم” كتاب أسترالي هزّ الضمير العالمي!

متى يضع لبنان استراتيجيته في السياسة المائيّة ويطبّقها؟

فريد الأطرش وأغنية “وياك” والعبور إلى العالمية

فيلم قضية 23: الألم والدموع وجرح الوطن المفتوح

ما قاله عون لماكرون غربة وخيال ووجع