الانتخابات الإيطالية وضباب القارة الأوروبية

د. ناصر زيدان (الخليج الاماراتية)

كان شتاء أوروبا قاسياً هذا العام، وغلب الضباب الكثيف والحرارة المُتدنِّية على مُعظم أيام الفصل. وعلى الضفة الأخرى – أي في المشهد السياسي – فقد زادت ضبابية نتائج الانتخابات التشريعية الإيطالية، التي جرت قبل أسبوعين، وأثرت في السياق السياسي الأوروبي؛ حيث زادت من الإرباكات، التي يعانيها الاتحاد الأوروبي، وستضع بعض العوائق أمام الخطة الألمانية – الفرنسية؛ الهادفة إلى تفعيل الاتحاد؛ وإجراء بعض الإصلاحات الضرورية على حركته، التي أصابها بعض الوهن منذ الاستفتاء، الذي جرى على خروج بريطانيا منه في عام 2016.
والانتخابات الإيطالية هذا العام؛ كانت الحدث الأبرز في أوروبا حتى الآن، وحظيت بمراقبة شديدة من كل الأوساط السياسية والشعبية في أوروبا وخارجها؛ نظراً لما كان يمكن أن تُحدثه من تغييرات على الخريطة الأوروبية، فيما لو جاءت بنتائج غير متوقعة خصوصاً لو حقق حزب «5 نجوم» الشعبوي الجديد فوزاً كاسحاً؛ لكن ذلك لم يحدث، وبقيت الضبابية السياسية مسيطرة على المشهد، وقد تؤدي إلى إعادة الانتخابات مجدداً، فيما لو لم تتمكن القوى الرئيسية الأربع الأولى من تحقيق ائتلافات فيما بينها، أو بين بعضها؛ لتشكيل حكومة؛ لأن النتائج النهائية بيَّنت أنه ليس بمقدور أي حزب من الأحزاب الكبرى تأمين أغلبية نيابية تزيد على 316 نائباً، من أصل 630 نائباً عدد أعضاء البرلمان.
واضح أن اليمين المتطرف ربح بعض الشيء في الانتخابات الإيطالية، وتراجع اليسار ويسار الوسط؛ لكن خريطة توزُّع القوى المُمثلة بالبرلمان مُشتتة، ولا تستطيع أن تأتلف على قاعدة يمين أو يسار؛ لأن الجانبين يتألفان من فسيفساء حزبية متناقضة، أو متباعدة، ومن الصعوبة بمكان تسليم أحدها القيادة للطرف الآخر، خصوصاً أن حركة «5 نجوم» تحمل شعارات يمينية متطرفة؛ لكنها تشهر العداء السياسي لحزب رئيس الوزراء اليميني السابق سيلفيو برلسكوني، والائتلاف الذي يتزعمه هذا الأخير؛ هو يميني أيضاً، وحصل على المرتبة الأولى بين القوى السياسية، أي 37,3% بينما حصلت «حركة 5 نجوم» على 32,5%، علماً أن برلسكوني لا يستطيع أن يكون رئيساً للحكومة؛ لأنه حُكِمَ عليه منذ عام 2013 بتهمة التهرب الضريبي، وبالتالي هو ممنوع من تولي منصب حكومي خلال 6 سنوات.
لويجي دي مايو زعيم حركة «5 نجوم» يبدو أسيراً لشعاراته التي سبقت الانتخابات، وهو بالتالي لا يستطيع بسهولة الائتلاف مع قوى أُخرى ناصبها العداء خلال حملته الانتخابية، وهو بطبيعة الحال جديد على الساحة السياسية، ولا يملك الخبرة الكافية لتدوير الزوايا التي تحتاج إليها عملية الإندماج مع أحزاب أُخرى؛ لتكوين أكثرية. إضافة إلى أن شعارات دي مايو المبدئية؛ ليست مقبولة عند أغلبية القوى الأُخرى.
أما التحالف بين القوى ذات الميول اليسارية، ومنها تحالف القوى الشعبية والحزب الديمقراطي – الذي كان حاكماً – فلا يشكلان أغلبية نيابية فيما لو اتفقا على الائتلاف؛ لأن حزب تحالف القوى الشعبية الذي تقدم في الانتخابات ونال 18% مختلف مع الحزب الديمقراطي الذي يمثل يسار الوسط، الذي نال 19% من الأصوات فقط.
نتائج الانتخابات الإيطالية المُحيِّرة، والمُربِكة؛ قد تؤدي إلى إعادة الانتخابات دورة ثانية، إذا لم تتمكن القوى الأساسية من التعاون لتأليف أغلبية برلمانية قادرة على منح الثقة لأي حكومة جديدة، وعندها سيكون اليمين المتطرف أمام فرصة جديدة؛ لتثبيت دعائمه، وبالتالي تهديد التماسك الموجود حتى الآن في الاتحاد الأوروبي؛ لأن اليمين المتطرف لا يستسيغ سياسة الاتحاد الأوروبي، وهو يُشجِّع على الخروج منه. وضبابية المناخ الأوروبي؛ تُشجع القوى المتطرفة على تعزيز بُناها التحتية؛ للانطلاق نحو تحديات جديدة أكثر راديكالية؛ لأن المشاعر الأوروبية تجاه الهجرة غير الشرعية تزداد عدائية. والخوف يتزايد من انعكاسات المخاطر، التي تُحيط بالقارة من الجنوب المُشتعل بالأحداث الدامية في ليبيا وسوريا خاصة، وفي المغرب العربي وإفريقيا وكامل الشرق الأوسط بشكلٍ عام.
إيطاليا أمام تحدٍ قد يجعل منها مكاناً لضبط الهياج الشعبوي المتطرف؛ إذا ما تمكنت القوى الرئيسية من محاصرة هواة المُغامرة. أو أن التطورات في إيطاليا ذاتها قد تُعيد التذكير برؤى غابرة. ومن لا يعلم أن الفاشية السيئة الذكر انطلقت من إيطاليا في النصف الأول من القرن الماضي؟!.

اقرأ أيضاً بقلم د. ناصر زيدان (الخليج الاماراتية)

الأسبوع الآسيوي – الأميركي

في حجم تأثير الأوهام السياسية

تغييرات في نمط العلاقات الدولية

إعادة خلط الأوراق في بلاد الشام

الأسرى الفلسطينيون والجرائم الدولية الموصوفة

العدالة الدولية عندما تصطدم بالسياسة

أسئلة بمناسبة ستينية الاتحاد الأوروبي

ميونيخ 2017: مؤشرات مُختلفة

حراك من نوع آخر في شرق المتوسط

عن تطور العلاقات السعودية – الصينية

قراءة هادئة في نتائج الاستفتاء البريطاني

تفاقم التوتر في بحر الصين الجنوبي

عن الرؤية «النهضوية» الجديدة في تونس

الأعراف الدستورية.. النموذجان البريطاني واللبناني

أوباما والمنطقة الآمنة في سوريا

التخبط السياسي وسياسة الدهاء

مخاطر دستورية تُهدد الاستقرار اللبناني