بولس ريشا من حداد الى “بيكاسو الشرق”

في بلدته البترونية اجدبرا حيث نمت موهبته وكبرت، طوّع الفنان بولس ريشا آخر لحظات عمره ورحل.

بهدوء غادر كما إبداعه الذي انسكب في متحفه الذي يحتضن جهدا نادرا في مسيرة الفن، بعدما امضى عمره في تطويع الحديد فحوله اشكالا تحاكي انسانية الانسان.

فبولس ريشا الذي تحدى واقعه وقرر ان يترك بصمته في هذه الحياة، رفض ان يبقى مجرّد حداد وتحدى صلابة الحديد ليجعل منها افكارا ثورية متجسدة في “مشعل حرية” تارة او بميزان عدالة تارة اخرى.

بولس ريشا يعرف منحوتاته كأولاده، ويطلق على كل منها اسما خاصا بها، فإحداهن تدعى “وحدة لبنان” وأخرى “سلم الجهل”، وكأن به يكتب في التواءات الحديد افكاره ومبادئه التي نهلها من فكر المعلم الشهيد كمال جنبلاط، مناضلا في صفوف الحزب التقدمي الاشتراكي، كما شقيقه ضاهر ريشا الذي كان رئيساً للسن في اكثر من مؤتمر للحزب وبقي متمسكاً بالمبادىء والقيم التقدمية حتى آخر يوم من حياته، ولم ينقطع عن المشاركة في أنشطة الحزب في أحلك الظروف وأصعبها.

فكان بولس ريشا ثورة على طريقته، وهل من ثورة أعتى من تلك التي تواجه الحديد بالنار؟ … هكذا كان بولس ريشا في حياته ومبادئه كما في موهبته.

ريشا ترك ارثا فنيا يحتوي على اكثر من 400 قطعة من الحديد المشغول، حتى بات لقبه “بيكاسو الشرق”، بعدما كان قد اطلق على اول مشغل له في اجدبرا اسم “غاليري بيكاسو”.

لم يعش بولس ريشا من موهبته، ولم تدرّ عليه المال والثروة، ورغم ذلك لم تفارقه ربّة الوحي والابداع، حتى انه لم يجرّب يوماً ان يبيع تحفه.

وهكذا عاش كريما وفيا ومات عزيز النفس تاركاً بصمة فنية نادرة ومدرسة فنية حديثة يقل نظيرها في العالم العربي.

“الانباء”