الثلاثاء 17 يوليو 2018

التمرّد لا يعني دوماً الثورة

أدّت الاحتجاجات التي اندلعت في إيران في نهاية العام 2017 إلى عقد مقارنات فورية بالانتفاضات التي نشبت في العالم العربي منذ كانون الأول/ديسمبر 2011.

فبعد مرور أسبوع على التظاهرات في إيران، سطرتُ مقالاً قصيراً استعرضت فيه بعض العِبَر التي يمكن لإيران استخلاصها من الانتفاضات العربية. وقبل أسبوعين، كان لايزال من غير الواضح ما إذا كانت الاحتجاجات ستتصاعد لتصبح موجة تهدّد النظام حقاً، أم سيتمّ احتواؤها بنجاح. واليوم، يبدو أنّ التظاهرات بدأت تتلاشى بفعل قمع الدولة الحازم، والمشاكل المتأصّلة المتعلّقة بمواصلة عملية التعبئة في غياب هياكل تنظيمية قوية.

تتواءم هذه المحصّلة إلى حدّ كبير مع ما حدث في العالم العربي. فقبل الانتفاضتَيْن التونسية والمصرية، لم يكن المحلّلون والباحثون يتوقّعون حجم الاضطراب الثوري، بناءً على التجربة الطويلة من استقرار الاستبداد وقدرة النظام على الصمود. وبعد الإطاحة المفاجئة للرئيسَيْن، التونسي زين العابدين بن علي، والمصري حسني مبارك، ذهب الكثير من المحللين بعيداً في تصويب الأمر من خلال المبالغة في توقّع التغيير الثوري، وسمحوا للاستثمار العاطفي في مجالات معيّنة بأن يؤثّر على التحليل. لكنّ أياً من الدول العربية لم تنجح في تكرار النموذجَيْن التونسي والمصري بإطاحة الرئيس سلمياً من خلال التعبئة الشعبية. إذن، ينبغي ألا يكون فشل هذا الخيار مفاجئاً.

لكن العراقيل أمام إسقاط النظام تصبح كبيرة للغاية، حين يتعلّق الأمر بتقييم التغيير السياسي. صحيح أن الانتفاضات العربية أثمرت تغييراً هائلاً في المؤسسات والهويات والأفكار السياسية، حتى حيث بقيت الأنظمة على قيد الحياة. وهذا، وليس إطاحة النظام، ما يجب علينا البحث به عند تقييم أهمية الاحتجاجات الإيرانية. مثلاً: ما هي الحركات الاجتماعية الجديدة التي ظهرت في هذه البيئة السياسية؟ وأي نخب سياسية ــ إصلاحية أو محافظة ــ أثبت قدرة أكبر على استغلال التظاهرات، في ظل الصراع الحاد الدائر في ما بين هذه النخب؟ وكيف غيّرت تجربة الاحتجاج واسع النطاق التوقّعات بشأن الإمكانية السياسية؟

بعبارات أخرى، تشبه إيران اليوم تونس في كانون الثاني/يناير العام 2018، أكثر من تونس في كانون الثاني العام 2011. فكما إيران، وإن مع اهتمام دولي أقل، تشهد تونس حالياً تظاهرات حادّة بسبب المظالم الاقتصادية، والإحباط من الركود السياسي، والوعود المنكوثة. تضمّ الاحتجاجات التونسية بعض الحركات الاجتماعية التي نشأت خلال السنوات الست الماضية، لكن مع الكثير من الشباب المنسلخين والغاضبين في المناطق المهمّشة، الذين فقدوا ثقتهم بالنظام. وفي حين من المحتمل ألا يطيحوا بالنظام التونسي، يتحدّى هؤلاء جوهر إدّعائه الشرعية، ويشكّلون البيئة لكل الأطراف السياسية. وبسبب تجربة العام 2011، على كل الأطراف أخذ احتمال التصعيد الثوري على محمل الجد.

هناك المزيد من الدروس، التي تستأهل الذكر مقارنةً بالتجربة العربية. لقد حظيت الاحتجاجات الإيرانية باهتمام غير متناظر من قبل الجهات الدولية التي رأت مصلحة سياسية لها في عرين خصم يواجه اضطراباً سياسياً. لكن، أثبتت البيانات الداعمة للتظاهرات التي أصدرتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهدفت إلى تصحيح الأخطاء المفترضة التي ارتكبتها إدارة الرئيس باراك أوباما في عدم المجاهرة بقوّة في العام 2009، أنّها أحدثت فارقاً ضئيلاً على الأرض، وهذا أمر لم يكن مفاجئاً.

استخدم المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، علي خامنئي، هذه البيانات كدليل في خضم مساعيه إلى اتهام المتظاهرين بتنفيذ إرادة محرّضين خارجيين، غير أنّه كان سيفعل ذلك على أي حال. وعلى الأرض، واصل المتظاهرون التركيز على مظالمهم بدلاً من الخطابات الأميركية، فيما مارس النظام القمع بحسب ما رآه مناسباً لضمان بقائه، وانتهت موجة الاحتجاج في غضون أيّام من التصريحات الأميركية. إنّ عدم جدوى الخطب الأميركية في الأسابيع المنصرمة، يمكنها أن، ولكن لن، تنهي أسطورة العام 2009، القائلة إنّه كان يمكن لمجاهرة أوباما أن تغيّر النتيجة بطريقة ما.

ثمّ وكما تشير تجربة الانتفاضات العربية، فإنّ الأطراف الخارجية قد تحاول منح المتظاهرين أكثر من مجرد الدعم الخطابي. فالتدخّلات المباشرة وغير المباشرة من قبل أطراف إقليمية كانت سمة حاسمة في تشكيل مسار هذه الانتفاضات. إذ ساهمت التدخّلات السياسية لقطر، والسعودية، والإمارات العربية المتحدة في خلق الاستقطاب والفشل السياسي في تونس ومصر. وحسم الدعم العسكري للوكلاء، بالإضافة إلى التدخّل العسكري المباشر، المسار المأساوي للأحداث في ليبيا وسورية. ليس من الصعب تصوّر أن تبحث واشنطن والأنظمة الخليجية عن فكرة دعم الحركات الإيرانية المعارضة، عسكرياً ومادياً. فالعِبَر المستخلصة من ليبيا وسورية، تشير إلى أنّ الجهود الرامية إلى القيام بتمرّد بالوكالة ستكون كارثية، غير أنّه هناك مَن استخلص دروساً مختلفة.

هناك مسألة أخيرة تستحق التطرّق إليها، وهي عدم توسّع الاحتجاحات من إيران إلى العالم العربي. في العام 2011، فاق انتشار الزخم الثوري من تونس ومصر توقّعات الكثير من علماء السياسة. وكان الانتشار منطقياً أكثر من منظور مجال عربي عام موحّد نسبياً، ملتزم بهوية موحّدة وإعلام مشترك. فقد تماثل العرب في الخليج وبلاد الشام بالانتفاضتَيْن التونسية والمصرية انطلاقاً من نضال سياسي مشترك، كما تبنّوا شعاراتهما وتكتيكاتهما في سياقات سياسية مختلفة جداً في كثير من الأحيان.

هذا في حين لم تشكّل الحركة الخضراء في إيران في العام 2009 مصدر إلهام لتعبئة عربية مشابهة، وكذا الأمر بالنسبة إلى التظاهرات الإيرانية خلال الأسابيع القليلة الماضية. وعلى الرغم من بعض الجهود المثيرة للاهتمام التي بذلها ناشطون سوريون دعماً للمتظاهرين الإيرانيين، كانت الدلائل الحقيقية على تحفيز العرب للتحرّك قليلة.

يبدو أنّ سنوات من التصعيد الطائفي والهوية العرقية، بالإضافة إلى غياب مجال عام مشترك يربط الإيرانيين والعرب ضمن خطاب جماعي، ستشكّل جداراً حديدياً في وجه الانتشار.

(*) مارك لينش/ مركز كارنيغي للشرق الأوسط