روسيا في العام2017

د. ناصر زيدان (الخليج الإماراتية)

اختلاف المراقبين حول تقييم الأداء السياسي لروسيا في العام 2017، لا يعني بأي شكل من الأشكال أن هذا الأداء كان ضعيفاً، كما أن هذا الاختلاف، لا يلغي واقعة توسُّع الحضور الروسي على المستوى العالمي، كما لا يمكن أن يكون عُذراً مقبولاً لتهميش التطورات الداخلية في روسيا، والتي جاءت في معظمها لتُعزِّز مكانة الإدارة الحالية في الكرملين بقيادة الرئيس فلاديمير بوتين، أو ما يحلو للبعض تسميته مجازاً «بالقيصر الجديد»، رغم وجود صعوبات اقتصادية لا يُستهان بها، منها ما صرحت به نائبة رئيس الوزراء لشؤون الأسرة أولجا جودبريتس بأن 20 مليون مواطن روسي يعيشون تحت خط الفقر، وأن الطبقة الوسطى آخذة بالتقلُّص.
كان يمكن للخطوات الروسية السريعة أن تكبو في العام 2017، لأنها كانت خطوات مُتلاحقة، وأحياناً كانت تسيرُ على الوحول الرخوة، أو بين الأشواك المُسنَّنة التي تلذع الأجسام التي تقترِب منها فيما لو لم تَكُن هذه الأجسام قاسية المراس.
عادت روسيا بسرعة قياسية إلى لعب دورٍ مُتقدمٍ بين الدول العُظمى، واستطاعت أن تجمع بين تناقضات يصعُب جمعها (مثل اجتماعها الغريب بحلف واحد مع تركيا وإيران). كما وصلت إلى أماكن مُتقدمة في قمرة القيادة الدولية، وفرضت نفسها لاعباً في ساحاتٍ عالمية عديدة، وليس فقط في الشرق الأوسط، فهي رسَّخت «روسنة» جزيرة القرم، ولم يعُد العالم يتحدث عن قرار ضمها في العام 2014 بعد أن طردت روسيا كل الإدارة الأوكرانية منها.
وتمكنت موسكو من حياكة تحالف مع الصين بإبرة براجماتية شرقية ناعمة، تراعي الطموحات الصينية الحيادية في بعض الأماكن، وتتلطى خلفها بأماكن أُخرى؛ لبكين فيها هيبة واضحة. وفي مجلس الأمن الدولي استفادت موسكو من بكين إلى أبعد الحدود من خلال التنسيق واستخدام «الفيتو» المشترك ضد أكثر من قرار يتعلَّق بسوريا، وكان يمكن لهذه القرارات فيما لو نفذت أن تقلب الأوضاع رأساً على عقب في هذا البلد الجريح.
ذهب الرئيس بوتين بعيداً في براجماتيته الناشطة في العام 2017، فقد أقام تعاوناً مع دول مهمة لم يسبق لموسكو أن تعاونت معها إلى هذا الحد، خصوصاً في الشرق الأوسط ومحيطه اللذين اختصرا وهج الحراك الدولي في العام المنصرم إلى حدٍ ما. فأعاد بوتين العلاقات التي كانت شبه مقطوعة مع مصر منذ العام 2015، ووقع مع رئيس السودان في نوفمبر/‏تشرين الثاني 2017 في موسكو، مجموعة من الاتفاقيات الاستثمارية والتجارية، بما في ذلك اتفاقية استئجار مكان لقاعدة روسية عسكرية في البحر الأحمر. وتطورت علاقات روسيا مع السعودية في مجالات عديدة، وأنشأ خط تواصل ساخن بين البلدين منذ زيارة الملك سلمان إلى موسكو مطلع أكتوبر/‏تشرين الأول الماضي. وعقد بوتين حلفاً مع تركيا، مُبعداً هذه الأخيرة إلى الحد الأقصى الذي تسمح به استمرارية عضويتها في حلف الأطلسي.
وخروج بوتين منتصراً في سوريا (على ما اتفقت عليه معظم الجهات الحليفة له والمناهضة لسياسته) لم يكُن فعلياً الإنجاز الوحيد لسياسته في 2017، فالرئيس الروسي يحاول إطلاق حوار بين الفلسطينيين وقادة «إسرائيل» ويُحاول التمهيد لحل في اليمن عن طريق الحوار.
وجردة الحساب الروسية في العام 2017، لا يمكن أن تتغافل عن مندرجات التطورات الدولية في أقصى الشرق، لا سيما فيما يتعلق بالملف النووي لكوريا الشمالية. فموسكو سهَّلت الإجراءات العقابية ضد بيونج يانج في مجلس الأمن، ولم تستخدم الفيتو ضد القرارات التي استهدفت هذه الأخيرة، ولكنها بالمقابل لم تتخذ إجراءات خاصة صارمة ضد تجارب كوريا الشمالية النووية والصاروخية.
وأجرى بوتين مطلع العام اتصالات هاتفية مع قادة ألمانيا وفرنسا وبريطانيا مهنئاً بالعام الجديد، وطالباً من القادة الأوروبيين التعاون، وتخفيف التوتر بين روسيا وأوروبا على خلفية نشر الصواريخ الأطلسية بالقرب من الحدود الغربية لروسيا في رومانيا وبولندا.
مما لا شك فيه بأن الحاصل المقبول الذي اكتسبته روسيا دولياً في العام 2017، استثمره الرئيس بوتين في الداخل، واستطلاعات الرأي تتحدث عن تأييد أكثر من 68% من الناخبين الروس له في الانتخابات الرئاسية التي ستحصل في الربيع القادم. علماً أن المنافسين لبوتين على الموقع الرئاسي، ضعفاء، ولا يتمتعون بتأييد كبير، برغم أن الأوضاع الاقتصادية الداخلية لروسيا تعاني من صعوبات كبيرة، والانكماش في الاقتصاد الروسي الذي فرضته تراجعات أسعار النفط، ما زال قائماً.
روسيا في العام 2017 لم تكُن خاسرة على أية حال.

اقرأ أيضاً بقلم د. ناصر زيدان (الخليج الإماراتية)

سكريبال والحرب الدبلوماسية الساخنة

عن العقيدة السياسية للدول الكبرى

لماذا صواريخ «إس 400» في جزيرة القرم؟

الحوار الأوروبي الإفريقي والقنابل الموقوتة

استراتيجية روسية جديدة في الشرق الأوسط

استفتاء كردستان ليس حرباً عربية – كردية

أفغانستان الجريحة

مؤشرات التطرُّف المُقلِقة

توازن الرعب في أقصى الشرق

أخطر مُربع في الصراع

الموصل مدينة العذابات الكبرى!

واشنطن وبيونج يانج و«الصبر الاستراتيجي»

جُزُر الكوريل وتوترالعلاقات الروسية اليابانية

إعادة خلط الأوراق في العلاقات الدولية

مؤتمر باريس ونقل السفارة

ترامب والعلاقات الصينية – الاميركية

عن عروبة الهلال الخصيب

صادق جلال العظم: الحياة القاسية والوفاة البعيدة

عن محنة أمة

ماذا يعني التصويت الأُممي الجديد لصالح فلسطين؟