في المئوية الأولى: كمال جنبلاط علامة فارقة في تاريخ لبنان والعرب

منير بركات

تستحق هذه الذكرى التوقف عندها واعطائها حقها كونها ليست ذكرى الولادة فحسب لا بل تاريخ وطن وأمة.

كمال جنبلاط العالم الذي تجتمع فيه مخزون صيرورة الحياة بقوانينها وتناقضاتها وتشعباتها وتعددها وتعقيداتها لتتعايش بتفكيره وسلوكه، وليحتل الموقع الرفيع في وطنه متجاوزا حدوده الى البلدان العربية والى العالم.

كمال جنبلاط، ذلك الزعيم الثائر في الفكر والسياسة وفي الكفاح من أجل الحرية وهو الذي تطورت شخصيته واصبح قائداً مميزاً.

تبلورت ثقافته ووعيه على نكبة الشعب الفلسطيني، فأنتصر له ولقضيته، فكان مدافعا شرسا عن فلسطين التي أخذت منه معظم ادبياته العربية والإنسانية بسخاء ودفق مغمور بنزعة التحرر من الاحتلال والإستعمار .

لقد ولد في السادس من شهر كانون الأول عام ١٩١٧ في بلدة المختارة. قتل والده فؤاد جنبلاط في السادس من شهر آب عام ١٩٢١، عندما كان مكلفا بإدارة المنطقة. وتولت والدته الست نظيرة بعد وفاة والده الزعامة السياسية التي كان يشغلها الوالد. واستمرت ربع قرن.

انهى دراسته الإبتدائية في مدرسة عينطورة، وحين انهى دراسته الثانوية في عام ١٩٣٧ انتقل الى جامعة السوربون في باريس حيث تابع دراسته في علم النفس وعلم الاجتماع . وعشية اندلاع الحرب العالمية الثانية عاد الى لبنان ليتابع دراسته الجامعية في جامعة القديس يوسف اليسوعية. وتخرج منها حاملا شهادة الحقوق. مارس بعد تخرجه مهنة المحاماة بين عامي ١٩٤٠و١٩٤١. وبدأ يمارس العمل السياسي منذ عام ١٩٤٣ بعد وفاة ابن عمه حكمت جنبلاط زوج شقيقته ليندا. انتخب كمال جنبلاط للمرة الاولى نائبا عن منطقة جبل لبنان في أول برلمان لبناني بعد الاستقلال، عين وزيرا للأقتصاد والزراعة في حكومة الاستقلال الثانية في عام ١٩٤٦. ثم انتخب نائبا للمرة الثانية عام ١٩٤٧ التي تعرف عند اللبنانيين بالإنتخابات المزورة. وقد استقال من الحكومة احتجاجاً على ذلك التزوير.

المعلم كمال جنبلاط

اسس مع حميد فرنجية وعبد الحميد كرامي وكميل شمعون جبهة معارضة ضد حكم بشارة الخوري الذي ساد فيه الفساد، وشارك في تأسيس الجبهة الاشتراكية عام ١٩٥١ التي تمكنت من اسقاط بشارة الخوري في عام ١٩٥٢. انتقلت الرئاسة الى كميل شمعون والذي كان احد اقطاب المعارضة ليتخلى لاحقا عن حلفائه وفي مقدمتهم كمال جنبلاط. وبدأت تلمع وتتصاعد زعامة كمال جنبلاط منذ ذلك التاريخ في الموالاة احيانا وفي المعارضة في معظم الاحيان. وسرعان ما يصبح في نظر اللبنانيين من أكبر زعماء لبنان المميزين. وكان يحمل هم الفقراء ويتصدى للظلم الاجتماعي .

من أهم المحطات في مسيرته تأسيس الحزب التقدمي الاشتراكي عام ١٩٤٩ مع نخبة من الوجوه السياسية والثقافية، كان من ابرزهم عبدالله العلايلي رجل الدين الفقيه المستنير والاديب والمؤرخ والباحث في فقه اللغة العربية .

ومن المحطات البارزة ايضا مواجهة حلف بغداد ومشروع ايزنهاور والتصدي لحكم كميل شمعون، وأفشال التجديد له واسقاطه عام 1958 وانتقال السلطة الى الرئيس فؤاد شهاب.

ولن نغفل ترخيصه لأحزاب اليسار بالرغم من اعتراض اليمين اللبناني عام ١٩٧٠ عندما كان وزيراً للداخلية.

لقد استشهد كمال جنبلاط في ١٦ اذار من عام ١٩٧٧ بعد سنة من لقائه العاصف مع حافظ الاسد، والذي أعلن فيه المعلم انه لن يقبل بأي شكل من الأشكال إدخال الشعب اللبناني في السجن العربي الكبير.

وكانت القوات السورية قد اجتاحت لبنان في ربيع ١٩٧٦ وسحقت مشروع الحركة الوطنية اللبنانية بقيادة كمال جنبلاط، المشروع المتمثل بـ”البرنامج المرحلي للحركة الوطنية”. وهو المشروع الذي كان يرمي الى تصحيح النظام السياسي في لبنان في اتجاه الديموقراطية والحفاظ على التعدد ومنع هيمنة فريق على آخر بإسم الطانفية، كما كان يرمي ذلك المشروع الى ارساء أسس جديدة لدولة حديثة عابرة للطوائف.

لا يمكن إختصار كمال جنبلاط بمقالات لا بل هو حاضر في كل جوانب الحياة، وستبقى مسيرته وتراثه محفزاً لتجاوز المحن والتصدي للصعوبات ومواجهة التحديات التي يعيشها الوطن والأمة.

*رئيس الحركة اليسارية اللبنانية

(الأنباء)

اقرأ أيضاً بقلم منير بركات

الشعوب ضحية الأطماع الدولية والأسد فقد دوره الأقليمي

بلورة المشروع الوطني المعارض

رسالة الى رئيس الجمهورية

الاطاحة بالطائف يعيدكم الى حجمكم!؟

تذويب الانقسام التاريخي لمصلحة الوحدة الداخلية

طيف العهد وأحلام الإقصاء!

لستم أقوى من حناجر الشعب وبندقية الحق 

زفرة الحياة تتحدى شهيق الموت

تجديد الدور السوري في حماية إسرائيل!

الموت السريري لأمة نبضها فلسطين!

إنتخابات أخذ العبر للمنتصر والمهزوم

عليكم أخذ العبر من سقوط العهود

القانون المشيطن بعقلية إبليسية وشروط التصدي

محاصرة التطرف والمصالحة والسلم الأهلي الناخب الأقوى

حان وقت العمل وشحذ الهمم!

تراث كمال جنبلاط: التنوع والبعد الإنساني…

قيادتان تاريخيتان في رجل واحد

واجب التضامن في اليوم العالمي للمرأة

عندما يتفوق النظام السوري على إسرائيل في المجازر: الغوطة نموذجاً!

على من ينشد التغيير العودة الى المشروع الوطني الأصلي