من كمال جنبلاط إلى الربيع الصامت إلى فرنسا

محمود الأحمدية

ابدأ من الآخر لأقول: إن المنتجات العضوية ابتداء من إنتاج الأرض من خضار وفواكه وإنتاج زراعي في كل تنوّعه وصولاً إلى المواد المصنّعة المبنية على الابتعاد عن الكيماويات مثل الحليب ومشتقاته والبيض ومشتقاته… هذه المواد التي ابتعدت في إنتاجيتها عن استعمال رش الأدوية السامّة المبيدة للحشرات وارتكزت على الطبيعة ماءً وهواءً وتراباً تاركة وإلى الأبد أخطر إنتاج شاهدته البشرية وهو الـ “د.د.ت” الذي لحقت سمومه كل أنحاء الدنيا وهدّد بأخطاره حياة الناس…

في أوائل السبعينات نزل إلى الأسواق كتابٌ أثار ضجة أميركية أولاً وعالمية ثانياً اسمه “الربيع الصامت” لمؤلفته “راشيل كارسون” وبحثت فيه بالملموس الخطر الداهم على الإنسان والطبيعة من خلال استخدام الأدوية الكيميائية السامّة القاتلة للحشرات، مما يهدّد حياة البشرية جمعاء وذلك بالإخلال بالتوازن الدقيق البيئي بامتياز والمبني على نظرية التناسق الكامل ضمن الوحدة وبين عناصر إذا فلتت من عقالها نتيجة لهذا الخلل تصبح أسطورة نهاية الكوكب حقيقة واقعة…

ويتكلم “الربيع الصامت” عن بلدة في الريف الأميركي كيف كانت وكيف أصبحت والفيصل أو المفصل الأساسي قبل وبعد استعمال المواد الكيميائية السامّة D.D.T…. وكيف أن هذه البلدة فقدت كلّ شيء وعلى رأسها الأخضر والطيور والهواء النقي واليباس والحياة البائسة، وكيف تحوّل سكان هذه البلدة من حقبة وجميلة بكل تفاصيلها الاجتماعية والحياتية والمتفائلة بابتسامة لم تفارق أهلها حتى أتى هذا الزائر الثقيل الظل الـ D.D.T. وأحرق الأخضر واليابس فإذا الطبيعة والإنسان يتعرضان للتلوث الممنهج وأشدد على الممنهج لأن هذه المواد كانت أصلاً تستعمل لقتل الإنسان في الحربين العالميتين الأخيرتين وحوّلوهم إلى قتل الحشرات أي قتل الإنسان… وعلى أثر “الربيع الصامت” تألفت لجنة أميركية على مستوى كل الولايات ودرست كيفية معالجة  هذا الطارئ الجديد وكان القرار بمنع الـ D.D.T. ويبقى على دول العالم الثالث وبعض الدول المتقدمة أن تترك مرة واحدة وإلى الأبد مسألة استعمال المواد الكيميائية شديدة السميّة لقتل الحشرات…

المعلم-كمال-جنبلاط

وأول صوت بيئي تنّبه إلى هذه الخطورة المعلم كمال جنبلاط الذي رفع الصوت عالياً من خلال كتابه “أدب الحياة” وفي أغلبية أحاديثه الخاصة بالخضار والفواكه كان يتحدث عن هذا الكتاب ويشجّع على قراءته نظراً للانقلاب الذي أحدثه على المستوى الكوني تطبيقاً لمقولة “رُبَّ همّةٍ أحيت أمّة” وأكتب حرفياً ما ذكره المعلم وقد كتبت ذلك من خلال مقالات سابقة عن سابق عمد وإصرار لإثارة كمية الوعي عند الإنسان وعلى طريقة نقطة الماء التي كلما استمرّت في نزولها على الصخر استطاعت مع الأيام تفتيته وهكذا توجهاتنا وعقليتنا ومقاربتنا للأشياء وأنا لا أُعمّم بل أعطي نموذجاً…

يقول المعلم: كانت حشرة المالوش هي الهم الملاحق صغار الشتل ولكن حلقات القصب المجوّف كانت الرد الطبيعي المألوف والناجح أيضاً… وكان لبنان جنة  الطيور والحيوان من جميع الأصناف التي تقطن هذه المنطقة أو تأتيها هجرة… وكان كل نوع يأخذ نصيبه من العيش ومن الخضار والثمار وهذا حقّه وحصّته… وكنّا نأكل التفاح والعنب والليمون والمشمش إلخ… بدون رشّها بالمبيدات الحشرية المسمّة بعد أن يسقط في نصيب الطيور والحيوان والحشرات خمسة أو عشرة بالماية من مجموع الثمار لا أكثر، أي ما يقابل ربع أو عشر ما نتكبّده مالياً لرشّها اليوم، وكانت الدنيا بهية فيها البهجة والفرح والبحبوحة والنظافة من هذا الاتساخ السام الذي ابتدعته صناعة الكيميائيات الحديثة.

وأصل إلى فرنسا وإلى الثورة البيئية التي خلقتها هذا العام على صعيد المواد الغذائية العضوية بدءاً من الفواكه والخضار وصولاً إلى مشتقات الحليب والأجبان… ويوم أمس بالذات فَنّدَت وكالة الأنباء الفرنسية التطور الضخم الذي سجلته فرنسا في هذا المضمار بعيداً عن مصائب المبيدات الحشرية نهائياً… للمعلومة فرنسا هي ثاني أكبر مصدر زراعي في العالم وهي منتج كبير للعديد من المنتجات الزراعية… وقد بلغ عدد الشركات الفرنسية الضخمة العالمية والتي ترتكز على إنتاج المواد الغذائية العضوية 465 شركة ويضيق المجال لترداد ولو جزء من أسمائها المعروفة في كل أنحاء الدنيا وللدلالة فقط يكفي القول إنها تنتج حوالي 400 (أربعماية) نوع من الطماطم دون استخدام قطرة مياه واحدة أو مبيدات وكان الفضل في هذا التطوير للفرنسي باسكال بوت في مدينة هيرولت جنوب فرنسا…

وأشار تقرير وكالة المنتجات الغذائية العضوية الفرنسية زيادة في استهلاك الفرنسيين لهذه المنتجات بنسبة 9% لتصل قيمة المبيعات إلى 4.35 مليار يورو…

وهذه المنتجات تحترم المحافظة على البيئة الفرنسية… وزادت صادراتها إلى العالم 35% خلال العام الماضي وهذا الرقم يعدّ فلكياً بالمقياس الاقتصادي ويعدّ ثورة بيئية حقيقية تقودها فرنسا في هذا المجال وخاصة عندما نعلم أن التخطيط الرسمي الفرنسي يطمح إلى الوصول لرقم 65% من الشعب الفرنسي لاستعمال المواد الغذائية العضوية… وأول نتائج ذلك بالبُعد الإنساني التخلص من أخطر الأمراض التي تسببها المبيدات للإنسان وللنبات وللحياة وللتوازن البيئي…

أردت الإشارة إلى هذا الموضوع والغصّة تملأ كياني بأننا في لبنان ما نزال حتى اللحظة نغرق في نفاياتنا.

*رئيس جمعية طبيعة بلا حدود

(الأنباء)

اقرأ أيضاً بقلم محمود الأحمدية

عصام أبو زكي… الرجل الأسطورة… بطل من بلادي

انسحاب واشنطن من اتفاقية باريس للمناخ ونتائجه الكارثية

في الذكرى 43 معلومات جديدة مذهلة عن عالمية فريد الأطرش

كمال جنبلاط البيئي: سابق لعصره

مَنْ أَحقّ من فريد الأطرش بنيل جائزة نوبل للفنون

كمال جنبلاط البيئي سابق لعصره

كيف لوطن أن يشمخ وفيه كل هذا العهر في مسلسلاته

حرش بيروت تحت رحمة اليباس… والتاريخ لن يرحم

مواسم التفاح بين الحاضر والماضي… قصة عزّ وقهر!

مصنع الإسمنت في عين داره ونتائجه الكارثية على البيئة والإنسان

كمال جنبلاط البيئي  وثقافة المواطن الحر والشعب السعيد

أولمبياد الريو والحضارة وعرب ما قبل التاريخ

مصنع الإسمنت في عين دارة: جريمة بيئية موصوفة

هل أحسنت؟ هل أخطأت؟ لا أعرف!!

حكايتي مع كرة القدم وفريق ليستر الانكليزي الذي هز اعتى الامبراطوريات

شكراً مسيو هولاند… أعطيتنا درساً في الحضارة والأخلاق!

غسان سلامة و”اليونسكو” وزواريب السياسة اللبنانية!

أنا علماني ولكني لي ملاحظاتي!

الدلع السياسي … إن لم نقل أكثر!!

14 آذار: عيد بأية حال عدت يا عيد!