حرش بيروت تحت رحمة اليباس… والتاريخ لن يرحم

محمود الأحمدية

“ثلاثة قد تخدّر الضمير أو تصيبه بالصدأ: المال، والسلطة، والشهوة” (مثل إيطالي)

 منذ عدة أيام كنت ماراً بقرب حرش بيروت في الشارع المؤدي الى نفق فؤاد شهاب وتطلعت الى اليسار، وكم  كانت دهشتي كبيرة عندما رأيت بالعين المجردة نسبة مخيفة من أشجار الحرش وقد ظهر اليباس ولون الاصفرار عليها  بحيث تشوّه المنظر الأخضر الذي تعوّدنا عليه…

وتواصلت مع بعض الجهات البيئية وكانت المفاجأة الغير متوقعة والمصادر الرسمية تقول حرفياً: ما بين 350  الى 400 شجرة صنوبر ضربها اليباس في فترة لا تتعدّى أربعة شهور أي عشر الأشجار ضربها اليباس  لأن العدد الإجمالي الذي زُرع  عام 1994 يناهز 4000 شجرة، أي عمر الأشجار التي استحدثت بمساعدة فرنسية حوالي 23 عاماً…

ومع انطلاق أعمال المستشفى الميداني في حرش بيروت وكأن هذا الحرش مع خطر آخر لا يقل شأناً عن البناء وهو زحف الحشرات الخارجية إلى شجرات الحرش حاملة الأمراض وخطر تيبيس الأشجار الخضراء…

هناك حقيقة يجب أن يعرفها القاصي والداني: كل شجرة يتغير لونها نحو الاصفرار مصيرها اليباس إذا لم تتركها اليرقات المفروزة من الحشرات وذهبت إلى شجرة أخرى… ومرض الأشجار يمر بثلاثة مراحل: اخضرار باهت، ثم اصفرار، ثم يباس في فترة لا تتعدّى الشهر… والمأساة أن هناك حوالي 120 نوعية حشرة حسب بعض الخبراء الأجانب وتتسبب بأكل جذع الشجرة الوعائي Vascular Tissue … والحقيقة أن معظم هذه الحشرات موجودة منذ كانت الغابات في لبنان… ولكن هذه الحشرات بدأت تتعرض لحشرات خارجية الحاملة لآفات وأمراض خطيرة والتي بدأت بغزو أحراج لبنان بشكل عام وحرش بيروت بشكل خاص… وتهاجم أيضاً الحشرات المستوطنة والتي تشكل  جزءاً من التوازن في الطيور من خلال صيدها والنقص في الدبابير قلب المعادلة لصالح الحشرات الخارجية الطارئة… وهناك فطريات وديدان ثعبانية مخصصة للتغذي من هذه الحشرات الداخلية وهناك مبيدات بيولوجية تعتمد على البكتيريا وتقضي على جزء منها دون الإضرار بالإنسان.. ولكن كل ذلك لم يحل دون ازدياد كميات الأشجار المعرضة لليباس…

وبعض الديدان الثعبانية تفتك بأشجار تنتقل من شجرة إلى أخرى عبر الخلايا اللعابية الموجودة فيها وتقضم الشجرة مما يهدد عدداً أكبر من الحرش باليباس..

ويقوم مجلس البحوث العملية بدراسة لاستخراجه وفحصه، وقد اكتشف البعض أن قسم من هذه الحشرات موجودة في المستوعبات الخشبية التي تستورد فيها البضائع من الخارج براً وبحراً وبعضها أيضاً موجود في بعض البيوت الخشبية المستوردة ثم الخارج أيضاً… وفي البلاد المتقدمة يصفون شروطاُ بيئية للسماح بدخولها لأنها وبالبعد التقني يجب أن توضع في أفران تصل حرارتها إلى 80 درجة مئوية ولفترة ساعة كاملة ومن واجب الجمارك والجهات المسؤولة المختصة ألاّ تسمح بدخول هذه المستوعبات أو البيوت إذا لم تكن مرفقة بشهادات أنها معالجة في مصدرها الأساسي…

ومعظم الخبراء يضيفون إلى عامل الحشرات عاملاً إضافياً خطيراً تغير المناخ وكثرة الجفاف مما يخفف من مقاومة هذه الأشجار للحشرات ونسبة الرطوبة فيها تساعد كثيراً للمقاومة وفي فصل الجفاف تخف هذه النسبة وخاصة أن المتساقطات لم تكن على مستوى المتوقع…

عدا أن عمر هذه الأشجار لا يشكل رادعاً قوياً صامداً أمام هذه الحشرات، فالأشجار المعمرة يقوى عودها وتقوى صلابتها ويقوى صمودها…

أما طرق المعالجة وقد وصلنا إلى ما وصلنا إليه في حرش بيروت وهو آخر متنفس لأهل العاصمة، بداية الإقلاع عن الزحف العمراني نحو الحرش بمختلف أشكاله وأذكر بمعركة قامت بها جمعيتنا (طبيعة بلا حدود) منذ عشر سنوات لمنع إقامة مبنى أمن الدولة على حساب قطع أشجار الحرش وكان الرئيس لحود وعدنا خيراً فإذا بهذه الأشجار تُقطع بلا رحمة ويقوم المبنى عدا عن المستشفى الميداني الحالي وميدان سباق الخيل، أما المعالجة الميدانية فيجب أن تبتعد عن العاطفة وتتصرف بالعقل لأن كل شجرة يابسة تصبح خطراً حقيقياً على الأشجار المجاورة وخاصة أنه وفي حرش بيروت لم يراعوا المسافات البعيدة الفاصلة بين الشجرات وهي بين المتر والمتر ونصف مما يسهلها انتقال الحشرات من شجرة إلى أخرى فيجب قطعها من الجذور إذا تأكد أنها أصبحت يابسة تماماً، ولا بد من تغذية الأشجار خلال الصيف بالمياه والري العلمي الدائم وهناك مضخات خاصة تبث الزيوت والمواد الخاصة تبث الزيت داخل لحاء الشجر.

وقد نجحت هذه الطريقة في بلدان عديدة، وهناك العصارة الصمغية التي تمكن الأشجار من مقاومة الحشرات…

واقتراحي وببعد استراتيجي يجب إقامة خطة طوارئية لإنقاذ الحرش مؤلفة من المعنيين: بلدية بيروت، محافظة بيروت، وزارة البيئة، وزارة الزراعة، مجلس البحوث، خبراء من القطاع المدني البيئي وإعداد مخطط إنقاذي حقيقي يوحد المسؤولية وعنوانه العلم والإلتزام وإتباع أحدث وأسرع الطرق العالمية لمعالجة هذه المصيبة والكارثة البيئية التي تكاد تفتك بآخر متنفسي لأهل العاصمة.

(*) رئيس جمعية طبيعة بلا حدود

 

اقرأ أيضاً بقلم محمود الأحمدية

عصام أبو زكي… الرجل الأسطورة… بطل من بلادي

انسحاب واشنطن من اتفاقية باريس للمناخ ونتائجه الكارثية

في الذكرى 43 معلومات جديدة مذهلة عن عالمية فريد الأطرش

كمال جنبلاط البيئي: سابق لعصره

من كمال جنبلاط إلى الربيع الصامت إلى فرنسا

مَنْ أَحقّ من فريد الأطرش بنيل جائزة نوبل للفنون

كمال جنبلاط البيئي سابق لعصره

كيف لوطن أن يشمخ وفيه كل هذا العهر في مسلسلاته

مواسم التفاح بين الحاضر والماضي… قصة عزّ وقهر!

مصنع الإسمنت في عين داره ونتائجه الكارثية على البيئة والإنسان

كمال جنبلاط البيئي  وثقافة المواطن الحر والشعب السعيد

أولمبياد الريو والحضارة وعرب ما قبل التاريخ

مصنع الإسمنت في عين دارة: جريمة بيئية موصوفة

هل أحسنت؟ هل أخطأت؟ لا أعرف!!

حكايتي مع كرة القدم وفريق ليستر الانكليزي الذي هز اعتى الامبراطوريات

شكراً مسيو هولاند… أعطيتنا درساً في الحضارة والأخلاق!

غسان سلامة و”اليونسكو” وزواريب السياسة اللبنانية!

أنا علماني ولكني لي ملاحظاتي!

الدلع السياسي … إن لم نقل أكثر!!

14 آذار: عيد بأية حال عدت يا عيد!