كمال جنبلاط البيئي  وثقافة المواطن الحر والشعب السعيد

محمود الأحمدية

“الحضارات والشعوب التي تفقد ارتباطها بالأرض لا تلبث أن تذوي وتزول”

(كمال جنبلاط)

ثقافة المواطن الحر والشعب السعيد تقوم أساساً، وحسب الثقافة البيئية في فكر المعلم، على الطابع الملتصق بأهمية الأرض والزراعة والتناغم ما بين الإنسان والطبيعة كوحدة حقيقية لا تنفصم أواصرها بل على العكس ومن خلال شعار المعول والقلم، المعول رمز لإرادة التعامل مع الزراعة والابتعاد عن روح الجشع الطاغية، والعيش مع الجماعة والشعوب والانتماء إلى هذه الجماعة وبيئتها التي تمنعه من الشعور بالغربة وتمنعه من ترك أرضه وبيئته وطبيعته والذهاب إلى أماكن بعيدة يصبغها اللون الرمادي إنسانياً وعاطفة ومشاعراً وفرحاً…

والجميل هو الإيمان بالتجمعات الصناعية الصغيرة حيث يشعر الإنسان بقيمة عمله الإفرادي المنضوي في عمل الجماعة بعيداً عن التكتلات البشرية الكبرى حيث المصانع الضخمة وحيث الإنسان رقم من الأرقام وجزء من حركة تلويث للهواء والماء والتربة… مما يشكل مانعاً للتحلل الاجتماعي والأخلاقي الذي تعرفه المناطق العمالية الغارقة في كثافة العدد وسيطرة المادة…

الشعب السعيد هو الشعب العائد إلى أرضشه عبر معوله كرمز وعبر إيمانه بأنّ هذه الأرض ليست ملكاً له بل هو ملك لها في نهاية الأمر لأنّه جزء مها ولا ثنائية معها بل توحّد وفرح وسعادة…

أمّا القلم في شعار الحزب فهو رمز لحرية المعتقد وتفتح المعرفة والإيمان بأنّ سعادة الإنسان لا تأتي من تراكم الثروات بل من هذا الإنسان الكائن المكتفي من الاقتصاد بالحدود التي تقتضيها حاجة الجسد إلى اللباس العادي الذي يحفظ حرارته والغذاء البسيط الذي يؤمن توازنه عبر مقولة: العقل السليم في الجسم السليم…

القلم هو معرفة الحقيقة الثابتة التي تتخطّى المظهر وتسبر غور النفس البشرية التواقة إلى صقلها بالأدب والفن والعلم والثقافة وفرح العيش بسلام مع الداخل ومع الآخر… كل ذلك في إطار إنتاج يؤمن البساطة في اللباس والغذاء وفي إطار بيئة طبيعية تلقى مداها عبر الاشتراكية العادلة التي تحرر الإنسان من عدوانيته ومن جشعه وطمعه بخيرات الأرض مما ينتج عنها انفجار حقيقي للتلوث وخطر تدمير التوازن البيئي…

كمال-جنبلاط11

والحقيقة أنّ المعلم كان يحذر من التجمعات الصناعية الكبرى ويشجع على إقامة وحدات أصغر ويقول حرفياً: “نحن نطالب بوضع تصاميم للمدن والقرى، وقد أصبحت المدن الحديثة “مقابر للأحياء” على حد تعبير أحدهم… بما يضمن للسكان التوزع أو الانتشار مع الشمس والخضرة والهواء الطلق ونضرة الماء”.

انتهى كلام المعلم… وإذا سبرنا غور هذه الكلمات النابضة بالحسّ البيئي الطبيعي، سنكتشف عمق إيمانه بكل العناصر المكوّنة للبيئة وللتوازن البيئي… وسنشعر بطريقة عملية أنّ أحد أسباب سعادة المرء الرئيسية طريقة التعامل مع بيئته وطبيعته دون الإساءة إليها بل الشعور بالتوحد معها…

ويقول المعلم حرفياً “حقاً كان أفلاطون على حق في مدينته الفاضلة عندما حدد عدد السكان ببضعة آلاف لا يجوز تجاوزها”.

إنّه اقتصاد الكفاية الملون بالثقافة الاشتراكية التي تبشر بها الأقلام الواعية المبدعة المؤمنة بوحدة الوجود في النفوس وبحضارة الصحة في النفس والفكر والجسد.

ويستطرد المعلم وعبر رمزية المعول إلى القول الذي يحمل مشاعراً وأحاسيساً خالدة يسكنها الفرح والعلم والمعرفة:

“علينا أن نسعى في أن نجعل الإنسان يتخلص وقائياً من المرض بتنقية أوضاع أكله وشرابه ولهوه وعمله وراحته ونومه… أن نجعله متحضراً في داخله وكائناً سعيداً لا أن تظل هذه السعادة تراوغه وتغرر به من خلال ما تضمنه عيشه المصطنع من انجذاب خادع فيلحق بها ويتبعها وهي كأنها تهرب منه وتفر من شاهق إلى شاهق على حد تعبير الحكمة المعروف”.

ويتجلى فكر المعلم عندما يحدد الحضارة التي تحافظ على سعادة الإنسان وإنسانية الإنسان.

ويقول: “هي حضارة العلم والأدب والشعر والموسيقى والفن وعادات متطورة وآداب في العيش، بهذه كانت الحضارة تتجلى وتنمو وتتألق وصولاً إلى التحديد الإعجازي عن الجماعة السعيدة هي جماعة بالضرورة “لا يجتمع إثنان باسمي إلا وأكون بينهما ثالثهم”…

الحقيقة ومن خلال هذه المقالة وبكل تواضع نستخلص أهمية الرمزين القلم والمعول وتوحدهما مع أهمية توحد الإنسان مع بيئته وطبيعته… هو ارتقاء حقيقي في الفكر الإنساني وفي الفكر البيئي…

عزيزي القارئ… هي قراءة أردتها بسيطة واضحة بعيداً عن اللغة الأكاديمية المملة وأردتها تعبيراً وشعوراً بالامتنان لمن أمتلك هذا الإحساس الشمولي النابض بقيمة الإنسان والعمل والأرض والطبيعة.

رئيس جمعية طبيعة بلا حدود

عضو اللجنة البيئية في نقابة المهندسين

اقرأ أيضاً بقلم محمود الأحمدية

عصام أبو زكي… الرجل الأسطورة… بطل من بلادي

انسحاب واشنطن من اتفاقية باريس للمناخ ونتائجه الكارثية

في الذكرى 43 معلومات جديدة مذهلة عن عالمية فريد الأطرش

كمال جنبلاط البيئي: سابق لعصره

من كمال جنبلاط إلى الربيع الصامت إلى فرنسا

مَنْ أَحقّ من فريد الأطرش بنيل جائزة نوبل للفنون

كمال جنبلاط البيئي سابق لعصره

كيف لوطن أن يشمخ وفيه كل هذا العهر في مسلسلاته

حرش بيروت تحت رحمة اليباس… والتاريخ لن يرحم

مواسم التفاح بين الحاضر والماضي… قصة عزّ وقهر!

مصنع الإسمنت في عين داره ونتائجه الكارثية على البيئة والإنسان

أولمبياد الريو والحضارة وعرب ما قبل التاريخ

مصنع الإسمنت في عين دارة: جريمة بيئية موصوفة

هل أحسنت؟ هل أخطأت؟ لا أعرف!!

حكايتي مع كرة القدم وفريق ليستر الانكليزي الذي هز اعتى الامبراطوريات

شكراً مسيو هولاند… أعطيتنا درساً في الحضارة والأخلاق!

غسان سلامة و”اليونسكو” وزواريب السياسة اللبنانية!

أنا علماني ولكني لي ملاحظاتي!

الدلع السياسي … إن لم نقل أكثر!!

14 آذار: عيد بأية حال عدت يا عيد!