سليم عسًاف… من غزو الكويت إلى غزو القلوب/ بقلم سليم عاطف ضو

عساف66

تلك الليلة إجتمعنا، ما كنت أعرفه، أسمع عنه شاباً موهوباً، مثابراً، يتسلق جبال الحياة بعلمه وموهبته الفنية، بدأ يراقص مشاعرنا بعزفه على العود، ويطرب أحاسيسنا بغنائه،يأخذنا إلى عالم بعيد عن المكان الذي كنًا فيه.ومنذ تلك الليلة توالت اللقاءات وبدأت مسيرة الصداقة.

لن أتكلم عن صداقتي الشخصيًة بالعسًاف كما أحب ان أناديه، فهو الصديق الصدوق مهما طال زمان اللقاء، عشنا أياماَ صعبة وجميلة… فالقاهرة خير شاهد على ذلك، ولكن يبقى العسًاف نموذجا للصداقة الحقيقية المبنية على الصدق والمحبة والوفاء، حيث لا حواجز في طرح الأفكار ومشاركة الهم والفرح…. رغم إصراره على معرفة التفاصيل (كيف، وليش وشو كنت تحسً، إلخ …).

من بيئة متواضعة مالياَ، حيث عاد وعائلته الصغيرة إلى لبنان بعد غزو الكويت، بدأ العسًاف مسيرته الشاقة بالحياة العملية والفنيًة، بالإضافة لعمله في قطاع تنظيم الأعراس لجني قوت الحياة ومتطلبات العائلة، كان سليم يتابع دراسته الثانوية والجامعية. أنهى دراسته فالتحق بوظيفة في أحد فنادق بيروت كمدير للمبيعات، ومنها مدير للتسويق في إحدى الشركات العقارية في الخليج. كل هذا التعب والكد لم يثنه عن توسيع ثقافته الموسيقية والشعرية، حيث أمضى ليال طويلة لم يعرف فيها الراحة، فكان يواظب في عمل وظيفي في النهار، وفي الليل يحلق في الموسيقى والشعر حتى بزوغ الفجر… ثابر، وإجتهد، فنجح.

عساف1

وعندما تفرًغ للفن، أبدع شعراَ ولحناَ تلقفهما أهم المطربين اللبنانيين والعرب. وحينما تغلغل أغنية ما في مشاعره، تراه يؤديها بصوته الحنون وإحساسه المرهف.

عاصر التطور الفًني مترفعاً، دون السقوط في ما آل إليه مستوى الشعر واللحن المعاصر. دخل دهاليز هذا العالم دون الإنجرار إليه متحصناَ بأخلاق عالية وتربية صالحة. هو زوج مثالي، وأب نموذجي، فخور بماضيه وحاضره، واثق بمستقبله.

التواضع ميزته، وصون الأصدقاء هدفه، والشعر والتلحين موهبته، أما الأخلاق والأصول فهي ثروته الوحيدة.

أذكر في يوم وداع الغالية ليلى (والدة العسًاف) أنني خفت أن يؤثر غياب ملهمته عنه على مسيرته الفنية، إلا أنه جعل من حزنه الداخلي بركاناَ يقذف علينا حمماَ مجمًرة بالكلمات والألحان والأحاسيس الدافئة.

سليم عسًاف… دمت لنا صديقا وفناناَ مبدعاَ خلوقاَ أصيلاَ يا من غزا قلوبنا، يا ثروة فنيًة راقية وأنيقة نعتز بها تماما كما نعتز بجبلنا ولبناننا.

صديقي لك منًي كل المحبة، وصداقتك تزهر في قلبي بساطا من ربيع وحدائق من البهجة، وإنيً على العهد في بحرها لباقِ…

(الأنباء)