انسحاب واشنطن من اتفاقية باريس للمناخ ونتائجه الكارثية

محمود الأحمدية

M.A

بتاريخ أول حزيران 2017 أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب انسحاب بلاده من اتفاقية باريس للمناخ… خبر هزّ أروقة الأمم المتحدة وفتح آفاقاً جديدة نحو تدهور مناخي من ناحية الاحتباس الحراري ومن ناحية الالتزامات المادية وخاصة الأخلاقية للولايات المتحدة نحو الكوكب بأكمله، ووصف أحد نواب مجلس الشيوخ الأميركي: “إنها خطوة متفلتة غير مسؤولة وتضع العالم كلّه أمام المجهول وتابع: أشعر كأميركي بأنني مجرمٌ بحق البيئة”…. كلنا يعلم التزام ترامب بوعوده الخنفشارية أمام منتخبيه، وآخرها نقل السفارة الأميركية إلى القدس وأولها كان انسحابه من اتفاقية باريس للمناخ… والمؤسف الذي يجسد صدمة حقيقية لكل متابع لقضية البيئة أن ردود الفعل سواء كانت دولية رسمية أو من قبل القطاع المدني البيئي كانت شبه معدومة وكأن ألسنتهم قد عُقِدَت… وخاصة عندما نعلم أن الولايات المتحدة الأميركية هي الملوث الأول على سطح هذا الكوكب… والرئيس الأميركي بَرَّرَ انسحابه بأن اتفاقية باريس تهدف إلى إلحاق الضرر بالولايات المتحدة وإعاقتها وإفتقارها…

وأشار بعنجهية موصوفة: إن الشعب الأميركي سيدفع ثمنها، إذ أنها ستكلف الاقتصاد الأميركي 3 تريليون دولار في الناتج العام وتقضي على 6 ملايين وظيفة… متناسياً أن بلاده تستعمر العالم اقتصادياً وجزء كبير من مدخولها يقوم على التملك والتحكم بالاقتصاد العالمي بطريقة مباشرة وغير مباشرة عبر سياساتها التي لا تحسب حساباً لمصالح الشعوب…

والجدير ذكره أن 157 دولة قد وقّعت على هذه الاتفاقية بإشراف من الأمم المتحدة وظلّت فترة التوقيع متاحة أمام الدول من 22 نيسان 2016 حتى 21 نيسان 2017… والدولة الأخيرة التي وثّقها أوزباكستان في 19 نيسان 2017 بهدف وقف ارتفاع درجة حرارة الأرض من خلال خفض انبعاثات الغازات التي تتسبب في الاحتباس الحراري… وبانسحاب ترامب يلتحق بدولة وحيدة باقية لم توقّع الاتفاقية وهي كوستاريكا…

b194ab1cca2a0b10

وتنص الاتفاقية على أن الدول المتقدمة مثل الولايات المتحدة الأميركية ستساعد في تحوّل الدول النامية نحو مصادر أنظف للطاقة، وعليها تقديم 100 مليار دولار بحسب الاتفاقية لأن اقتصادها بالذات قد تسبب وعبر التاريخ بأكبر كمية من صدور الانبعاثات المسببة لما وصلنا إليه نسبة لخطر الاحتباس الحراري…

وتهدف الاتفاقية إلى منع التدخلات البشرية الخطيرة في النظام المناخي والتي تشمل انبعاث الغازات الدفيئة وتسعى إلى حشد عالمي لمواجهة تهديد التغير المناخي…

وتنص أيضاً هذه الاتفاقية إلى السعي لتحويل الاقتصاد العالمي عن الوقود الأحفوري خلال هذا القرن، وعلى ضرورة انتظار واشنطن رسمياً حتى تشرين الثاني من عام 2020 قبل الانسحاب من الاتفاقية… وتأتي خطوة ترامب بعد توقيع الرئيس أوباما عليها عام 2015 فجسد أملاً كبيراً بان تقود بلاده العالم نحو التخلص من خطر ارتفاع الحراري الناتجة عن الاحتباس الحراري…. وكان أوباما قد تعهد بأن تخفض بلاده نسبة الانبعاثات الضارة إلى مستوى 28% مقارنة بانبعاثات عام 2015 وذلك عند حلول عام 2025.

ومأساة هذا الانسحاب أن جاء من دولة شكلت سابقاً ثنائياً مع الصين لقيادة العالم نحو بيئة آمنة بعيداً عن آثار الاحتباس الحراري مما سيشكل صدمة لأجيال قادمة وكانت المظلة الأميركية بقيادة الرئيس أوباما والرئيس الصيني شي جين بينغ…

والصين أعلنت من جديد التزامها بالتعهدات التي قامت بها بالرغم من القرار الأميركي… مما يدعّم علاقاتها ونفوذها مع الاتحاد الأوروبي وشدّدت على ضرورة الوصول إلى يوم محدد يتم فيه إيقاف كل انبعاثات الكربون….

ومن خلال اتفاقية باريس سيجري تحول تدريجي نحو مصادر طبيعية للطاقة وغير ملوثة مثل الطاقة الشمسية والهوائية والمائية… ومما يثلج الصدور تحركات الرئيس الفرنسي الشاب ماكرون في سفرته الأخيرة إلى الصين عندما وضع أولى أولوياته حسب TV5 الاتفاقية المناخية في باريس والدعوة لتحالف فرنسي – صيني…

باختصار شديد… إن العالم يشهد رؤيتين مختلفتين بالبُعد البيئي والأخلاقي: الكاوبوي الأميركي ممثلاً بترامب، والعالم أجمع الخائف على مصيره من خلال تفاقم النتائج السلبية المدمرة للاحتباس الحراري والسعي لإيقافها.

 

*رئيس جمعية طبيعة بلا حدود

 

اقرأ أيضاً بقلم محمود الأحمدية

في الذكرى 43 معلومات جديدة مذهلة عن عالمية فريد الأطرش

كمال جنبلاط البيئي: سابق لعصره

من كمال جنبلاط إلى الربيع الصامت إلى فرنسا

مَنْ أَحقّ من فريد الأطرش بنيل جائزة نوبل للفنون

كمال جنبلاط البيئي سابق لعصره

كيف لوطن أن يشمخ وفيه كل هذا العهر في مسلسلاته

حرش بيروت تحت رحمة اليباس… والتاريخ لن يرحم

مواسم التفاح بين الحاضر والماضي… قصة عزّ وقهر!

مصنع الإسمنت في عين داره ونتائجه الكارثية على البيئة والإنسان

كمال جنبلاط البيئي  وثقافة المواطن الحر والشعب السعيد

أولمبياد الريو والحضارة وعرب ما قبل التاريخ

مصنع الإسمنت في عين دارة: جريمة بيئية موصوفة

هل أحسنت؟ هل أخطأت؟ لا أعرف!!

حكايتي مع كرة القدم وفريق ليستر الانكليزي الذي هز اعتى الامبراطوريات

شكراً مسيو هولاند… أعطيتنا درساً في الحضارة والأخلاق!

غسان سلامة و”اليونسكو” وزواريب السياسة اللبنانية!

أنا علماني ولكني لي ملاحظاتي!

الدلع السياسي … إن لم نقل أكثر!!

14 آذار: عيد بأية حال عدت يا عيد!

والدي والقيم والحلم المستحيل