كمال جنبلاط البيئي: سابق لعصره

محمود الأحمدية

M.A

معرض بيروت الدولي للكتاب يجسّد وجه لبنان الحضاري بامتياز، ويشرّفني أن أشارك فيه بكتابي: “كمال جنبلاط البيئي: سابق لعصره”.

في لحظة تجلّ رائعة يقول الحكيم الهندي “يوهي” في سرّ تكوين الحياة والتوازن البيئي: تأثير الأرض يرتفع، وتأثير السماء ينزل، الأرض والسماء تتجاوب الواحدة مع الأخرى. فبفعل هذه المقابلة وبفعل ارتجاج الرّعد والصاعقة، وبفعل تحريك وتهييج الريح والمطر، وبفعل حركة الفصول الأربعة ، وبفعل حرارة الشمس والأرض، تولد الكائنات وتتكاثر وتزدهر.

هذا هو الانسجام بين السماوات والأرض، وهي الموسيقى الشاملة للتكوين… وجاء في كتاب “أدب الحياة” للمعلم الخالد كمال جنبلاط، تعليقاً على ما جاء في هذه الحكمة أعلاه: “قارن بين بعض الاختبارات التي أجراها الأميركيون والسوفيات (أيام الاتحاد السوفياتي) حول توليد بعض الخلايا الزلالية الضرورية لانبثاق الحياة، وذلك باستخدام الشرارة الكهربائية المماثلة للصاعقة أو الأشعة التي هي فيما يتعدّى البنفسجي، يدرك العجب من توافق هذا الحدس العجيب للحكمة القديمة مع اختبارات العلم المتقدمة”. بمناسبة 16 آذار، ذكرى استشهاد كمال جنبلاط، أحببت أن أبدأ مقالتي بهذه الحكمة الاستشرافية للحكيم الهندي، وهذا الحس الإبداعي البيئي الذي كان يتميّز به كمال جنبلاط…

منذ نصف قرن وعبر ستة وعشرين صفحة في كتاب “أدب الحياة” اختصر كمال جنبلاط آلاف الصفحات وآلاف المقالات التي قاربت من بعده مشاكل البيئة وتأثير تعدّي الإنسان المدمّر للطبيعة…

كمال جنبلاط1

كان هاجسه الحقيقي الحياة على سطح هذا الكوكب وإمكانية استمرارها مع جموح الإنسان في عدم احترام صيرورة الكون والتوازن البيئي ومما يقوله: “إن هذه الإبادة المنظّمة للحيوانات والحشرات، هذه الإبادة المنظّمة الخطيرة جداً على استمرار عيش الإنسان وعلى مصير الحياة ذاتها، تجري باسم التقدّم والعلم التطبيقي السطحي الذي تسلّمته وأخذت تتحكّم فيه وتستثمر على غير هدى التجارة والتعلّم في معناه المحدود…”.

وقضية الانحباس الحراري تقضّ مضجع العلماء والآثار المدمّرة التي سيرتكبها عبر ارتفاع الحرارة حسب التقرير الأخير الذي قام به الفريق الحكومي المعني بتغيّر المناخ والذي يحدّد هذا الارتفاع بين عام 2000 و2100 بين 1.4 درجة و5.8 ممّا يحدث تغييرات جذرية في المناخ وانحسار الأمطار في مناطق مما يؤدّي إلى التصحّر وازدياد هذه الأمطار في مناطق أخرى وذوبان ثلوج القطبين الشمالي والجنوبي مما يؤدي إلى ارتفاع منسوب مياه البحر حوالى 30 سم خلال الأربعين عاماً القادمة، وهذا سيحدث إرباكات خطيرة على مستوى الأراضي الواطئة، يكفي تصور ماذا سيحدث لبلد مثل هولندا حيث ممكن غرق آلاف الكيلو مترات المربعة وتهجير ملايين الناس وتكاليف تقدر بالمليارات، وأرجو من القارئ الكريم أن يعذرني إذا استرسلت في هذا الموضوع لأن حديثنا الأساسي عن كمال جنبلاط وحدسه الإعجازي في مجال البيئة وخاصة إذا عرفنا أن سبب كلّ هذه الأخطار هو انبعاث الغازات في الغلاف الجوي مثل ثاني أوكسيد الكربون بسبب المصانع وحرائق الغابات بما يشكل انحباساً حرارياً، وهنا وبتقاطع غريب مع ما كتبه كمال جنبلاط قبل نصف قرن قائلاً: “نحن في الحقيقة نلعب بأنفسنا بالبشرية لعبة الروليت الرسمية، فإننا نستمرّ بوضع كيماويّات جديدة في البيئة المحيطة، دون أن نختبر النتيجة التي يمكن أن تسفر عنها، فإذا إحدى هذه المواد الكيميائية أحدثت تسمماً شاملاً للجراثيم الصانعة النيتروجين، فإن الإنسان لا يعود يستطيع أن يتنشق الهواء في شهيقه وزفيره”. أي بكلمة تعود الأرض إلى الظروف التي كانت عليها قبل ولادة هذا اللون من الحيوان ذي الرئة والألبان الذي يتوج سلالته الإنسان.

ويسترسل كمال جنبلاط قائلاً: “ألف سلام وذكرى طيبة على تلك الأيام التي لم تكن فيها المغروسات والمزروعات ترشّ بهذه المواد السامّة، القاتلة لكل شيء تقريباً سوى جراثيم الأوبئة والأمراض التي تحتجب ثم تظهر أقوى فأقوى…”.

وقد تأثّر المعلم بكتاب “الربيع الصامت” للأميركية راشيل كارسون والذي أحدث ضجة في الولايات المتحدة الأميركية وفي العالم أجمع حيث حاولت المؤلفة إثارة الرأي العام الواعي وأن تظهر بوضوح الخطر الناجم عن الطبيعة والإنسان من استخدام الأدوية السامة المبيدة للحشرات، لأنه خطر على كينونة الحياة ذاتها على وجه الأرض…

الحديث عن كمال جنبلاط البيئي السابق لعصره يطول ويطول ولا يسعني إلا أن أنهي كلامي بعبارة خالدة استشهد بها كمال جنبلاط للشاعر الإنكليزي طومسون: “إنك لا تستطيع أن تحرّك زهرة دون أن تهتزّ إحدى النجوم”…

معلّمي، حدسك الرائع بما سيحدث على سطح هذا الكوكب بالبُعد البيئي، وتنبّهك لمخاطر تعدّي الإنسان على البيئة، سيبقى منارة إلهام لكلّ مَنْ عشق هذه الأرض ولكلّ مَنْآمن بحقّ البشر أينما كانوا وكيفيما كانوا بحياة كريمة وبيئة نظيفة.

*رئيس جمعية طبيعة بلا حدود

اقرأ أيضاً بقلم محمود الأحمدية

من كمال جنبلاط إلى الربيع الصامت إلى فرنسا

مَنْ أَحقّ من فريد الأطرش بنيل جائزة نوبل للفنون

كمال جنبلاط البيئي سابق لعصره

كيف لوطن أن يشمخ وفيه كل هذا العهر في مسلسلاته

حرش بيروت تحت رحمة اليباس… والتاريخ لن يرحم

مواسم التفاح بين الحاضر والماضي… قصة عزّ وقهر!

مصنع الإسمنت في عين داره ونتائجه الكارثية على البيئة والإنسان

كمال جنبلاط البيئي  وثقافة المواطن الحر والشعب السعيد

أولمبياد الريو والحضارة وعرب ما قبل التاريخ

مصنع الإسمنت في عين دارة: جريمة بيئية موصوفة

هل أحسنت؟ هل أخطأت؟ لا أعرف!!

حكايتي مع كرة القدم وفريق ليستر الانكليزي الذي هز اعتى الامبراطوريات

شكراً مسيو هولاند… أعطيتنا درساً في الحضارة والأخلاق!

غسان سلامة و”اليونسكو” وزواريب السياسة اللبنانية!

أنا علماني ولكني لي ملاحظاتي!

الدلع السياسي … إن لم نقل أكثر!!

14 آذار: عيد بأية حال عدت يا عيد!

والدي والقيم والحلم المستحيل

16 آذار: فَقَدَ العالمُ معلّماً بحجمِ أُمّة!

التّقاليد المعروفية التاريخية ودورها الوطني الجامع