حكم غريب للقدر في مئوية كمال جنبلاط

كمال جنبلاط

تفرض الطبيعة البشرية استلهام المصادفات، لتكوين المباني التاريخية. ترتبط الأحداث التاريخية إنسانياً، بأرقام أو أزمان أو مواقع، تحتّم على من يرصدها، يعايشها، أو يعود إليها، للربط فيما بينها، على قاعدة رقمية، أو تشبيهية من حيث “الحدث” ومصادفاته.

تكاد عبارة “التاريخ يعيد نفسه” العبارة الأكثر تداولاً في السياق البشري لتناول الأحداث التاريخية ومقارباتها. ولعلّ حياة المعلّم الشهيد كمال جنبلاط، بمساراتها وتطوراتها، صولاتها وجولاتها، الدليل الخيّر، على تكرار التاريخ لأحداثه المشابهة. النضال الذي خاضه جنبلاط. في السياسة، كان صدى لما سبقه إليه أسلافه من جنبلاطيين أو غيرهم، في جبل لبنان، او في لبنان ككل. في الفكر، غالباً ما تطابقت رؤى، وتقاطعت أفكار، في السياق الجدلي الذي انتهجه جنبلاط، وكانت إفرازاتها من روافد السالفين.

لا يمكن نقض استعادة التاريخ لنفسه، لكن جنبلاط وعلى قاعدة أب الجدلية منذ الحضارة المصرية القديمة، هراقليطس، أراد للتاريخ، أن يستكمل مجراه، بل العودة إلى الوراء، فلا يستطيع المرء أن يستحمّ بماء النهر مرتين. هي العبارة الأظهر حول الجدلية، وحتمية التقدّم، التي ارتكز عليها جنبلاط في تقدّميته الفكرية. استوحى ذلك، للتأكيد على أن الأحداث تسير إلى الأمام كماء النهر، ولا يمكن اعادتها إلى الوراء، كان القصد من ذلك، التقدّم، وعدم الرجوع، مع الإحتفاظ بأهمية التاريخ ودروسه، لعدم تكرار العثرات.

قبل أربع سنوات، أي في العام 2014، أعلن النائب وليد جنبلاط نهاية تقسيمات سايكس بيكو، والنظام الإقليمي الدولتي الذي تشكّل قبل مائة عام. في العام 1914، اندلعت الحرب العالمية الأولى، التي كان النفط أحد أكبر أسباب تفجيرها، وهو ما لم يدرج في المناهج التربوية، وفي العام 1918، وضعت الحرب أوزارها، بعد تحقيق إتفاقات سياسية دولية كبرى، جلّ ما توصّلت إليه، هو آلية تقسيم المنطقة العربية ووراثة أراضي السلطنة العثمانية.

وفي الزمن نفسه في العام 1917، ولد كمال جنبلاط، والذي تصادف مئوية ميلاده، اكتمال انهيار النظام الدولي الذي تشكّل صبيحة ولادته. سقطت حدود سايكس بيكو، وعد بلفور تغيّر نسبياً وشكلياً، لكنه آخذ في التوسع والتثبيت. يلعب التاريخ لعبته مجدداً، وغالباً ما تكون مصادفاته قاسية. وأقساها أنه في يوم المئوية، قد يعلن الرئيس الأميركي نقل السفارة الأميركية إلى القدس، وما يعنيه ذلك من عدم اعتراف بالقدس عاصمة لفلسطين. فلسطين العربية، وعاصمتها القدس، ودرب من مرّوا إلى السماء. لم يكن كمال جنبلاط أو المارّين على طريق فلسطين إلى السماء، عبرها المئات من قبل، ولم يتركها ياسر عرفات قبل الإرتقاء، ولا جورج حاوي بعد الإستشهاد.

منذ مائة عام، ولد النظام الإقليمي الذي اصطلح على تسميته نظام سايكس بيكو، وفي مئوية كمال جنبلاط، يندثر النظام، تذوب حدود الدول، تنشأ كيانات، وتتوسع مستوطنات، فيما من ائتمنوا على على فلسطين، لم يجاروا النهر، ولم يخرجوا منه لملاقاة مصبّه، غرقوا في مستنقعات الظلامية والرجعية، في مستنقعات الإنقسامات الطائفية والمذهبية، التي حوّلت الشرق إلى ساحة دموية، عبرت فوقها سفن نفطية. ضاعت فلسطين، وضاع الشرق. ومن اعتبر نفطه مساراً للتقدمية، وجد نفسه أمام خطيئته التاريخية، بجعل نفسه صنماً في هيكل الأصنام التي يتعبّد.

ربيع سرجون – “الانباء”