إلى معلّمي… مع كلّ الحبّ! / بقلم: د. سوسن النجّار نصر

كمال جنبلاط

وكان الكمال… عمرًا بدأ في السادس من كانون الأوَّل من عام 1917، ليسوق إلينا “قوارير النور” من تلك الخوافق الأربعة، يزرعها قمحًا وعطاءً، يسقيها “حبًّا وحقًّا وجمالًا”، ويسافر في “بحر الحقّ” ربّانًا لا ترهبه أمواج، ولا تثنيه عواصف!

حفيد عامود السماء، وُلد منذ مئة عام، بل قل، وُلِد بمئات الأحلام، بأسمطة الفلّاحين، وجهد العمّال والكادحين، وعرق السائرين في تخوم الأرض و”ليس على صدورهم قميص” سوى القضيّة! قضيّة الإنسان العابر لثنايا الذات، ذاك الذي يشرق زهوًا وسعادة وكرامة، في زمن أفلت فيه نجمات السلام، والعدالة والضمير!

ساحة، وراية… وخلف الأسوار والألقاب والسرو الشامخ شموخ الزمان تروى الحكاية؛ عن أمير حمل كنوز الأرض في فكر خلّاق، وحفظ درر المعرفة في شغاف قلبه ووجدانه، فكان للحقّ وحده هو التوّاق! طوى النفائس والعروش… هجر الوثير منها والبروج… وحده لقب “الرفيق” كان هو الغاية، وهو السبيل لتحقيق ما يحلم به من تغيير إنسانيّ يفضي إلى العدالة!

مئة عام والأرحام تلد والأرماس تستقبل من يموت! مئة عام والسجون بعضها يكبر، وبعضها يضيق حتّى على قضبانه! مئة عام تقتطع من أجيال الزمان، العابرة والمستقرّة، حفنات من اللوتس البريّ المثير، تخطفه أنفاس النسر المحلّق وهو به يطير!

مئة عام ننتظر لقاءً تمَّ ولسوف يعود… نهتدي بنجم السماء عابرًا نحو الشمال، فلا البحر يقبل بالسجون، ولا السفن ترتاح بما تخرجه عنوة من أنفاق الماء الغارقة في حقيقتها! في سعادتها!

مئة عام… والحلم يكبر فينا مع “دورات القمر”، و”عروس العقل المنجلية” ترتفع في سعادة الانخطاف مع أنفاس “معلّمها” متّجهة نحو “وجه الحبيب”، في مرتقى الأفئدة الحالمة “بالبيت العتيق”، ترسم دوائر الأفكار من على دثار “السجود”، ثمَّ تعود حاملةً “أدبًا للحياة” تغرسه في “فرح” التكوين، في “سلام” الولادة، لتكتب بحروفه “آياتٍ نورانيّة” تسبح في بحر “الفلسفة واليوغا”، وقد اصطفت تمنّياتها “لإنسان الغد” في مرتع روح “المستقبل” و”الحريّة” و”الحضارة” و”التمرّد الخلَّاق”!

مئة عام… يا شيخ المعرفة والحقيقة! مئة عام اختصرت من عمر الزمان دقيقة! “فجدليّات” الحقّ تخرج عن الزمكانيّ، حيث لا هو هو ولا هو غيره! نبحث عنكَ فيكَ وأنت اللغز لمن لا يرى في مرآة وجودك صورته/ صورتك، وأنتَ الإنسان/ الإنسان لمن يسير على هدى الرحمان في “هودج” حملته العرائش الحمراء، وهي ترقب و”تشاهد” الباشق يلتهم دم العصفور!

مئة عام تلتفّ حول أعناقنا الرازحة تحت أسوار الحديد وسلاسل المادّة، ونشعر بما اقترفت أيدينا في قرن كامل من الزمان، حيث لا نزال نشتاقك وأنت الهواء، ونبكي على أوجاعنا المصطنعة، وأنتَ ولا زلت الدواء!

أيا معلمي! أيا بدرًا خطّته يد الأقدار في طريقنا! ويا سفرًا جميلًا لأجمل ما يمكن أن يقرأ في كتاب! أتراك لهذا اخترت قلمًا ومعولًا وريشةً لتكون رمزًا لمسيرة أهديتها إلى الأحباب؟!

اليومَ… ونحن نحتفل بمئويّة ميلادك، أدركنا سخف الزمن حينما ندخل عالمك المبارك! ولكأنَّ ذلك الرسول الذي مشى في ذلك الليل العاصف ليعلن ولادة طفلٍ سعيد، أضاء في كلّ قلب شمعةً لا تزال تتموّج بلهيب الانتظار… فإلى أن نلتقي… كلّ عام وكلّ قرن وأنتَ النور الذي لا ينطفئ! محال!

*أستاذ جامعيّة وباحثة