بعد مرور سبعين عاماً على قرار التقسيم، ما زال حل الدولتين ممكناً

Two-state-solution

في الثامن والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر، ذهب نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس إلى متحف “كوينز” في نيويورك لإحياء ذكرى الموقع القديم للأمم المتحدة، الذي صوّت في 29 تشرين الثاني/نوفمبر عام 1947 على تقسيم الأرض وإقامة دولتين عربية ويهودية.

وبعد مرور سبعين عاماً، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل تقسيم الضفة الغربية ما يزال ممكناً؟ ويتساءل المحللون عما إذا كانت مختلف الجهات، كالرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ورئيس “السلطة الفلسطينية” محمود عباس، مستعدةً للمباشرة بنجاح بمثل هذا الجهد – أو ما إذا كانت أفضل الخطط الموضوعة ستصبح عالقةً بسبب الافتقار إلى العزم السياسي.

وبصرف النظر عن مسألة الإرادة السياسية، يقول عدد من الأشخاص من كل من اليمين واليسار إنه ليس هناك سبيلٍ لتسوية مسألة الأراضي، مشيرين إلى تزايد المستوطنات في الضفة الغربية. ويريد النقّاد من اليمين أن تُلحق إسرائيل جزءاً كبيراً من الضفة الغربية، لكنهم لا يأخذون في عين الاعتبار رد الفعل الدولي على هذه الخطوة الأحادية الجانب. ومن اليسار، يريد النقّاد حتى استبدال إسرائيل بكاملها لتصبح دولة إسرائيلية- فلسطينية ثنائية القومية. وكلا المقاربتين خياليتان. فلن تُقدِم إسرائيل على ارتكاب عملية انتحار وطنية.

ونظراً لقلة الخيارات المتاحة، ما زال التقسيم ممكناً. وبالفعل، تشير أحدث البيانات إلى أن البُعد المتعلق بالأراضي قابل للحل. ويسعى موقع إلكتروني جديد أطلقه معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى ويُدعى المستوطنات والحلول Settlements and Solutions إلى استخدام صور مدنية مأخوذة بالأقمار الصناعية لتوفير فهم أفضل لاتجاهات المستوطنين.

إن تفاعل الجغرافيا والديموغرافيا في الضفة الغربية له أهميته – إذ يساعد على معالجة مسألة ما إذا كان قد فات الأوان بالنسبة للإسرائيليين والفلسطينيين لكي يتوصلوا إلى حل توفيقي بشأن المسائل المتعلقة بالأراضي، فضلاً عن قضايا الأمن واللاجئين ومصير القدس.

وإذا أردنا تحليل الحلول المتعلقة بالأراضي، علينا رسم الحدود بين مجموعتين من المستوطنين، لأن تداعياتهما مختلفة جدّاً لحل النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني. وتعيش كلتا المجموعتين خارج الخط الأخضر، أي الحدود قبل حرب سنة 1967؛ وتعيش إحدى المجموعتين غرب الحاجز الأمني الإسرائيلي (أو داخله) (وقد بنت هذا الحاجز الحكومة الإسرائيلية خلال الانتفاضة الثانية بين عاميْ 2000 و2005 لعرقلة تدفق الانتحاريين الفلسطينيين من الضفة الغربية). وتعيش المجموعة الثانية خارج الحاجز الأمني أو شرقه. ووفقاً لـ “دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية”، يعيش حوالي 85 في المائة من الإسرائيليين الذين يُقيمون شرق الخط الأخضر، ولكن داخل المنطقة المرسومة من الحاجز الأمني، في حوالي 8 في المائة من الضفة الغربية، في مناطق متاخمة جدّاً للمناطق الحضرية الإسرائيلية. وهذا يعني أن أقل من 556 ألف إسرائيلي بقليل يعيش داخل الحاجز الأمني الإسرائيلي أو غربه، وأكثر من 97 ألف يعيشون خارج الحاجز.

ولا يشير ما ورد أعلاه إلى غياب التهديدات الديموغرافية التي قد تُنهي خيار الدولتيْن. ففي حين بقيت نسبة 85 في المائة في 8 في المائة من الأراضي ثابتة إلى حد كبير، فقد ازداد عدد المستوطنين. وفي عام 2009، كان يعيش 70 ألف مستوطنٍ خارج الحاجز – وابتداءً من حزيران/يونيو 2017، ارتفع هذا العدد بـ 27 ألف مستوطن. ولو توافر في حل الدولتين اتفاقٌ بين الإسرائيليين والفلسطينيين بشأن نقل هؤلاء المستوطنين إلى مناطق أخرى، فإن احتمال إعادة التوطين سيزداد صعوبة. فعلى سبيل المثال، تم ترحيل ما يقرب من 8 آلاف مستوطن خلال الانسحاب من غزة عام 2005. وبالطبع، كان من الممكن أن يتفق الطرفان في مفاوضاتٍ على أن يبقى المستوطنون لفترة من الوقت.

وتسلّط الأرقام أيضاً الضوء على الطبيعة المتغيرة لحركة الاستيطان. فهناك مستوطنتان من أصل 139 مستوطنة تمثّل حاليّاً حوالي 30 في المائة من كافة مستوطني الضفة الغربية و46 في المائة من النمو خلال العام الماضي. أما المَوْقعان فهما مستوطنتان أرثوذكسيتان متطرفتان، الأمر الذي يشير إلى حدوث تغيير منذ إطلاق حركة الاستيطان في أواخر ستينيات القرن الماضي، وخاصةً من قبل صهاينة متدينين رأوا أن الضفة الغربية هي إرث توراتي واعتبروا أنفسهم محاربين سياسيين في النضال من أجل الاحتفاظ بالضفة الغربية كجزءٍ من دولة إسرائيل. وفي المقابل، فإن الأمر الذي يشكّل دافعاً كبيراً بالنسبة إلى الأرثوذكسيين المتطرفين هي الهواجس الاجتماعية والاقتصادية، وخاصةً السكن بأسعار معقولة. وهذا مطلبٌ مهمٌّ جدّاً بالنسبة إلى مجتمعهم حيث يبلغ متوسط معدل الولادات نسبةً مذهلةً تساوي 6.9 لكل أسرة.

ولا بدّ لإسرائيل أن تجعل سياستها الاستيطانية تتماشى مع مقاربة الدولتين التي تسمح بالتوصل إلى حل وسط بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وسيشكّل ذلك علامةً قويةً لمناهضة المعتقد الذي تجلى في استطلاعات الرأي الفلسطينية، بأن إسرائيل تريد الضفة الغربية بأكملها. ولا يشير أيٌّ من ذلك إلى أن الحاجز سيكون بالضرورة الحدود في اتفاقٍ الوضع النهائي. فهذه الحدود ستبقى موضوع نقاشٍ يُجريه الفريقان.

ولم يفُت الأوان بعد. فأولئك الذين يسارعون من اليمين واليسار على حد سواء إلى إعلان نهاية حل الدولتين بسبب النمو السكاني في المستوطنات يبدو أنهم متشائمون ويعتقدون أن الأمر مقدّرٌ. ولا يكفي أن يكون المرء متأكداً من وجود الإرادة السياسية لكي يتحقق هذا الحل، لكن بعد سبعين عاماً ثمة سبيل له، على الأقل حتى الآن.

*معهد واشنطن