جسر الأسقف

د. قصي الحسين

K.H

“في كل عمل لم تبدأ به بعد، توجد أفعى”. تردد هذا المثل الشركسي في نفسي، وأنا أهم بقذف نفسي للسباحة في الأزمة اللبنانية، دون أن أ صاب بالهلع لمجرد التراشق بالماء حولنا. ذلك أني حسبتها: “في مثل هذا الوضع، يصير الانضباط أكثر ضرورة، ويصبح الفرقاء السياسيون المتخاصمون من اللبنانيين وغيرهم، أكثر حاجة إلى تحسين قراءتهم للأفهومات والمنطلقات الشرطية للاستقالة/ الحدث، وليس للتخلي عنها. يقول “أوتو نيوراث” (1882- 1945) وهو فيلسوف عضو في حلقة فيينا: “إننا حتّى ليس لدينا خلاف، لكن الغرق في الغموض ليس خياراً”. وكأنه ينبهنا أيضاً أن لا ننجر من جديد إلى “قاعة دروس قديمة”.

وعظة الحدث/ الاستقالة، بكل ما حملت وما احتملت، وبكل ما قالت وما قيل فيها، وخصوصاً منها الأقاويل ذات النبرة السياسية الفلسفية، لمما يجب أن يسعى لتحديث الرؤيا والرؤية لدى الفرقاء جميعاً، لجعلها ذات صلة براهنية لبنان ومستقبله، بحيث نتجاوز أسوار الفلسفة العدائية، نظراً إلى أن المستجدات غير المسبوقة التي قدمت وواكبت الحدث/ الاستقالة، إنما هي تدعونا إلى تطوير واستكمال العديد من وجهات النظر للمسألة اللبنانية الأساسية، وفلسفتها التي ترسخت لدينا عبر التاريخ، أقله من وعد بلفور المشؤوم، وحتى مئويته الراهنة الأكثر شؤماً بآمادها الطويلة.

فالتصدي لهذه الجوانب الأساسية العالقة بالمسألة اللبنانية ذات الأوجه السياسية الداخلية والخارجية المختلفة، لا بد لها أن تتغير بفعل التطورات المتلاحقة في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ذات الصلة بالحروب الجارية في الإقليم بخاصة و”بالربيع” العربيّ في بلاد الشام بعامة، ولبنان ضمنها على وجه مخصوص.

ونظراً إلى انهيار الحدود الفاصلة بين الأقاليم والدول أكان متصلاً بشبكة أو بشبكات، أو غير متصل بها، لكون لبنان أقله قد أصبح متصلاً بها، فلا بد أن يكون مندمجاً في غلاف معلوماتي (انغوسفير) للحروب الدائرة والمتناسلة بعضها من بعض، بحيث غدت، دون أن تستشير اللبنانيين أو تقف على خاطرهم، تصب في عالم لبنان الحقيقي الواقعي، إلى حد أننا نبدأ بالتأقلم مع حياة دائمة الاتصال بها. وهو تحول أشبه بالتحول الميتافيزيقي، يمثل شيئاً لا يقل عن التأقلم مع اغتصاب فلسطين واغتصاب الجولان وجنوب لبنان وتدمير العواصم والمدن التاريخيّة في بلاد “الشام” وبلاد “المغرب العربيّ” و”اليمن السعيد” والخليج.

border1
تحدد الحياة السياسية اللبنانية الدائمة الانحدار، طبيعة نشاطات اللبنانيين اليومية وتصفها حتماً بالغلو في طريقة الإمساك بالأسقف وجسرها كي لا تنهار عند حدوث المفاجآت وبلوغ شفا الأزمات، فلا تسقط على رؤوسهم. كذلك هي تحدد طريقة اللبنانيين قادة وشعباً في جسر الأسقف، وتلمس سبل العناية والرعاية بشروط السلامة العامة، والأمن والأمان، على الوطن تراباً مسلّماً بحدوده وكياناً مسلّماً بقوانينه وأنظمته وإدارته ومؤسساته. ولكنها تحدد أيضاً الطريقة في التفاعل مع عوالم القانون العام الذي يحكم الإقليم والسياسة العامة التي ينبغي أن تتحكم به جراء ذلك، والاقتصاد العام الذي ينظم أسواقه في الداخل والخارج، وحتى الطريقة التي تدار بها الحرب.

يجب أن يشهد اللبنانيون اليوم بعد الاستقالة/ الحدث بأن جميع المعلومات وجميع الاتصالات وجميع التحركات وجميع التحرشات من قوى العدو المتربص بلبنان وجواره الاقليمي، ومن يقف وراءه أيضاً، تمثل جميعها المحيط البيئي، المكون والمحول والمؤثر في الواقع اللبناني في مختلف مناحي حياته، وتحت جميع أسقفه السياسية والاجتماعيّة والعسكرية والدبلوماسية والوطنية والقومية والدينية والديمغرافية قبل كل شيء.
فكيف نضمن أننا سننجو جميعاً، إن لم نعمل جميعاً على “جسر الأسقف” بكل ما أوتينا من سياسة مدنية وعسكرية ولوجستية. فما بالنا، ونحن ندرك منافع جسرها ومخاطر إهمالها وتساقطها وهدمها. بل مخاطرها المعاينة والمستترة.

فهل ستؤدي المعالجات الداخلية والخارجية، بعدما عاينا بأم العين أخطار الحدث/ الاستقالة، إلى مساعدة لبنان واللبنانيين، وزيادة مقدرتهم على تجاوز الأزمات اليوم وربما غداً، أم أنها سوف تقيدنا. أزعم أننا يجب أن نتوسع في منهجنا السياسي الوطني الجامع، والذي غدا لنا بيئة وخلقاً ودرباً، لنستوعب الحقائق، سواء كانت من طبيعة الاقليم والجوار أو من صنع أيدي اللبنانيين أنفسهم، وعليهم أن يتعلموا ولو بالسياسة، من أبواب الفنادق الأميركية، فهناك باب ينبغي جذبه وشده، بينما ينبغي دفع الباب الآخر.

(الأنباء)