في حجم تأثير الأوهام السياسية

د. ناصر زيدان (الخليج الاماراتية)

index

كثيراً ما يبدو أمام الرأي العام أن للسياسة ركائزها الثابتة، أو قدسيتها غير المطوَّبة، وغالباً ما تنقاد المجتمعات خلف شعاراتٍ تحمل عبارات رنانة، وطنية وقومية وأُممية ودينية. والعاملون في السياسة يحملون على الدوام عناوين وهَّاجة، كالحفاظ على الديمقراطية، وترسيخ الحريات العامة، واحترام حقوق الإنسان. وهناك مقاربات تُستعمل لتحديد هوية الدول، كالصداقة والتعاون والحفاظ على السلام والاستقرار. والمجموعات أو الأفراد يلجؤون إلى استخدام عبارات رنانة، مثل: المقاومة أو الجهاد أو النضال أو التضحية في سبيل «القضية».

تؤكد المعطيات السياسية للمراقب عن بعيد أن جزءاً كبيراً من الركائز السياسية مبنيٌ على أوهام، أو أن هذه الركائز تستخدم الأوهام لتحقيق أجندة مختلفة تماماً عما هو مُعلن. والتاريخ الحديث لمجرى العلاقات الدولية – خصوصاً في الربع قرن المُنصرِم- يؤكد من دون شكوك أن الدعاية الخاطئة، والأوهام، كان لحجمهما تأثير كبير في مجرى الأحداث. وقد اعتمدتهما الدول – الكبيرة والصغيرة – كما اعتمدت عليهما (أي على الدعاية الخاطئة والأوهام) بعض الأنظمة، واستخدمتهما المجموعات والأحزاب، وتعامل وفق هاتين المقاربتين الأفراد على قدم المساواة مع الأحزاب والدول.

يقول الفيلسوف البريطاني فرانسيس بيكون (1561 – 1626): «في مخيلة كل إنسان أوهام يعتقد بوجودها بقوة، بينما هي غير موجودة بالفعل، أو أنها موجوده ولكن تأثيرها ضئيل جداً». ويتابع بيكون: «هناك وهم القبيلة، أي وجود النظام، ولكن الاعتقاد بوجودها أكثر مما هو بالواقع، كما هناك وهم الكهف -أي لكل شيء خلفية أو قعر- ولكن وجود هذه الخلفية في ذهن الناس أكثر مما هو على أرض الواقع».
وفي تجارب الشعوب القديمة والحديثة الكثير من الانطباعات التي تخفي أوهاماً كانوا يعتقدون أنها حقائق دامغة. من هذه الاعتقادات: أن أباطرة أوروبا في القرون الوسطى كانوا مكلفين من الله لقيادة الناس. والأحزاب الشيوعية، في الدول الاشتراكية السابقة، كانت تعتقد أن المادية التاريخية، التي أسس لها المفكر كارل ماركس، هي حتمية تاريخية لا يمكن أن تعود إلى الوراء، وقد بدأت مرحلتها الأولى مع قيام الثورة البلشفية عام 1917، وستستمر من دون إخفاق إلى أن تتحقق الأُممية التي سيعيش معها العالم موحداً من دون دولٍ، ومن دون طبقات. وقد أكدت الأحداث – لا سيما انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991 – أن ذلك الاعتقاد كان وهماً.

واعتقد الغرب أنه يمتلك الحقيقة، والأنظمة الديمقراطية التي أسس لها ثابتة تاريخية لا بد منها، ولا بديل عنها، وهي الدواء الناجع لكل المُعضلات المطروحة أمام البشرية، لأنها تُحقق مساواة بين الناس، وتؤدي إلى فتح الحدود بين الدول من دون قيود، وتُعطي رفاهية للبشرية، فإذا بنزعات الانفصال، والعصبيات القومية والعرقية تُطِل من جديد، وهي تُهدِد وحدة أوروبا، وتبعث على القلق في الولايات المتحدة من جديد، وما حصل من أحداث عنصرية في ولاية فرجينيا في 12 / 8 / 2017، وفي إقليم كتالونيا الإسباني يؤكد صوابية هذه المقاربة.

واعتقدت المنظمات المتطرفة التي تدَّعي اعتناق الإسلام الحنيف؛ أن دوراً ينتظرها لتخليص الإسلام (على ما تدَّعي) من الاستكبار ومن الظلم الذي وقع عليه، وكان ذلك الاعتقاد وهماً انطلى على بعض أصحاب العقول البسيطة، وتحولت هذه المنظمات وقادتها إلى إرهابيين ومجرمين، عاثوا في الأرض فساداً، وأساؤوا إلى الإسلام أكثر من إساءة أعدائه إليه.

وترى بعض المنظمات الصهيونية المتطرفة، ومَن يدور في فلكها، أن نشوء «إسرائيل» حصل تحقيقاً لوعد إلهي توراتي أسطوري كان مُنتظراً، وأثبتت الأحداث أن نشوءها على أرض فلسطين، كان اغتصاباً وعدواناً، ووعداً من مستعمر، أقصد آرثر جيمس بلفور وزير خارجية بريطانيا منذ مئة عام، بناءً على مصالح استعمارية واضحة.

يقول المفكر العربي السوري عبد الرحمن الكواكبي (1855 – 1902) في كتابه «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد»: يتوهم بعض الناس بالقدرة الخارقة لبعض الحكام المُستبدين، والحقيقة أن هؤلاء يكرهون العلوم والعلماء لأنهما يفضحان عجزهم.

عندما هدد الرئيس باراك أوباما بالتدخل العسكري لإنقاذ أطفال سوريا الذين استهدفتهم الأسلحة الكيميائية في غوطة دمشق وغيرها عام 2013، أعتقد العالم أن الحس الإنساني تحرَّك، وأن الحرب في سوريا ستنتهي، وتنتهي معها مأساة ملايين الناس، فانتهى الأمر بتسليم مخزون الدولة من الأسلحة الكيميائية إلى الولايات المتحدة الأمريكية، تحقيقاً لطموحات «إسرائيلية» وتوقف التهديد بالتدخّل، وكانت التوقعات وهماً سياسياً في غاية التأثير.

حجم تأثير الأوهام السياسية كبيرٌ في سياق العلاقات الدولية، وحجم الثمن الذي تدفعه الشعوب من جراء السياسة التي تعتمد على الأوهام كبيرٌ جداً أيضاً.