أین “بيّ الكل”؟/ بقلم صلاح تقي الدین

Inaughural Speech - A_jpg

لا بد من التوقف عند الخطاب الاستفزازي الممجوج الذي أطلقه وزیر الخارجیة والمغتربین جبران باسیل
بالأمس من بلدتي رشمیا وسوق الغرب، مستفزاً شریحة من اللبنانیین قرّرت طي صفحة الماضي الألیم
والعودة إلى شیّم التسامح والغفران والسیر في ركب المصالحة التاریخیة التي أسس لھا البطریرك الطیب
الذكر مار نصرالله بطرس صفیر ورئیس اللقاء الدیموقراطي النائب ولید جنبلاط في العام 2001.

السؤال الذي یفرض نفسه ھو الغرض من نبش القبور والعودة إلى مآسي الحرب الأھلیة وھذه المرة عبر
إثارة موضوع “العظام” بعدما تبیّن للقاصي والداني أن نغمة “أجراس الكنائس” كانت زوبعة في فنجان لم
تسمن ولم تغن من جوع.

20171016_161522

فإذا كانت المسألة شعبویة تتعلق بغایات انتخابیة من خلال استثارة غریزة الناخبین المسیحیین في الجبل
وحثّھم على المشاركة في الانتخابات النیابیة المقبلة، فالعاقل قبل المجنون یرى أنه لیس من خلال استفزاز
شریحة واسعة من أبناء الجبل یمكن الوصول لتحقیق ھذه الغایة، خصوصاً وأنه بعد القانون الانتخابي المسخ
الذي تولّد بناء على رغبة جامحة من تیار وزیر الخارجیة، عبّرت مواقف النائب جنبلاط المتكررة وفي
محطات مختلفة عن رغبته الصادقة في تشكیل أوسع تحالف انتخابي ممكن في الجبل لكي یكون التمثیل شاملاً
الجمیع ومن دون استثناء.

أمّا إذا كان ھذا الخطاب یشي بحقیقة ما یضمره رئیس “التیار الوطني الحر”، فالحقیقة ھي أن ما یتھم بھ
غیره من “العیش في الماضي” مردود إلیه، ویشكّل عقبة أساسیة أمام المستقبل الذي أرتضى أبناء الجبل
الموحدون أن یكون مشتركاً عملاً بمقولة “الجبل قلب لبنان فإن أصاب القلب وھن، أصیب باقي الجسد
بالترھل” وھو ما شدّد علیه غبطة البطریرك مار بشارة بطرس الراعي أثناء الاحتفال بتدشین كنیسة سیدة
الدر في المختارة.

الراعي لدى وصوله الى قصر المختارة

لن یمر كلام الوزیر جبران باسیل مرور الكرام لدى المسیحیین الشرفاء، لكن لا بد من السؤال: أین الرئیس
العماد میشال عون من كلام صھره؟ ھذا الكلام الذي یخرج بالكامل عن مضمون خطاب القسم الذي أكّد من
خلاله على أنه “بيّ الكل”؟

 

ھل بھذا الكلام الاستفزازي والعنتریات الخارجة عن المألوف في حیاتنا السیاسیة، یتمكن عھد الرئیس عون
من العبور إلى الدولة وتحقیق الانجازات والاصلاحات التي ما فتئ یبشّر بھا؟

لیس مطلوباً من رئیس البلاد “تأدیب” صھره، لكن الأیام المقبلة والمواقف التي سیطلقھا الوزیر باسیل مجدداً
ستبیّن الخیط الأبیض من الخیط الأسود وما إذا كان الرئیس عون قد تدخل لتصحیح ھذا الخطأ “المادي” في
خطاب صھره.

المصالحة التاریخیة التي لا تمر مناسبة إلا ویستذكرھا الخیرون من أبناء ھذ البلد الذین یدعون بطول العمر
لمن باركھا ورعاھا، ثابتة وراسخة وتشكّل “متراساً” لا یریدون لأحد أن یتخطاه، رغم زعم الوزیر باسیل أنھا لم تكتمل، فإذا كانت لا تكتمل إلا بفوزه بمقاعد نیابیة في الجبل، فصنادیق الاقتراع ھي الحكم وإن غداً
لناظره قریب.

(الأنباء)