الحكم في لبنان على طريقة ماري أنطوانيت أو ينس ستولتنبرغ؟ / بقلم فؤاد طربيه

image1

يحتل شهر أكتوبر مكانة خاصة لدى الفرنسيين، حيث شهد عام 1789 مسيرة نسائية كبيرة ضد الملكة ماري أنطوانيت، ما لبثت أن أشعلت شرارة الثورة الفرنسية.

بدأ الإستياء الشعبي بعد وليمة ضخمة أعدتها الملكة في الوقت الذي كان فيه الشعب الفرنسي يتضور جوعاً. وفي صباح اليوم التالي توجّه أكثر من سبعة آلاف إمرأة تجاه قصر فرساي وهن يصرخن: ”لأجل الخبز” وما إن وصلن للقصر، زاد الطين بلّة لدى سماعهن رد الملكة على طلبهم  بمقولتها الشهيرة ”دعهم يأكلون البسكويت”. فتصاعدت الأحداث ثم فرّ كل من الملك لويس السادس عشر وزوجته ماري أنطوانيت نحو باريس، حيث أُعدمت في ساحة الباستيل عام 1793…

image2

المراد من إستذكار واقعة الملكة التي حكمت فرنسا من قصرها العاجي غير آبهة بحال شعبها، لا يقتصر على التنبيه الى وضع المواطنين اللبنانيين المزري والى ضرورة أن يلتفت الحاكم الى مطالبهم المعيشية، وإعترافه بأحقية الموظفين بسلسلة الرتب والرواتب (دون منّة)، مع ما يستلزم إقرارها ودفعها من تأمين واردات لتمويلها، على أن لا تطال الضرائب الطبقة الفقيرة مقابل غض طرف الدولة عن الضرائب التي تطال الطبقة الميسورة وأصحاب الثروات كالمصارف، وتحسين الجباية، وتخفيض الإعفاءات الجمركية الانتقائية وضبط المرافئ العامة ومصاريف سفر المسؤولين، وتحصيل رسوم مخالفات الأملاك البحرية، ووقف النزْف المُزمن في شركة كهرباء لبنان مع ما سيلحق هذا القطاع من خسائر إضافية فيما لو تمّ استئجار  بواخر الكهرباء…

ان استحضاري لـ”أنطوانيت” ليس لغرض الإضاءة على وضع الناس الإقتصادي المتهالك ولا على وضع مالية الدولة غير المستقر فحسب، بل لأخذ عُبرة بأنه بأي وقت يحصل تفاوت بين طموحات وآمال الشعب من جهة وبين الإجراءات التنفيذية التي يتخذها الحاكم، يحصل شرخ بينهما ويتدنى مستوى الثقة بمقدار التفاوت، وينطبق ذلك على مجال الحرية وعلى العدالة والمساوات، خصوصاً في ظل الفسيفساء الطائفية اللبنانية!

image3

رغم محاولة الرئاستين الاولى والثالثة، أي سلطة البلاد التنفيدية، الإيحاء المتكرر بأن البلاد والعباد بألف خير وأن الأمن مستَتِب، إلا أن الشارع يتكلم بلغة مختلفة، خصوصاً بعد شعور جزء كبير من اللبنانيين بأن السلطة تكيّل بمكيالين، الامر الذي تكرس أثر الحدثين الذين شغلا بيروت خلال الأسبوع الجاري.

الأول تمثل بحكم المحكمة العسكرية بالإعدام على الشيخ أحمد الأسير، الذي جوبه بموجة من الإعتراضات على قساوته ولدى مقارنته بأحكام مخفضة على جناة لا تقل أفعالهم جرميةً عن أفعال الأسير.

هنا ولإعتقادي بأن القيمين على السلطة اللبنانية لا يكترثون، بعد، الي نبض ورأي الناس في الشارع، كما يفعل ستولتنبرغ، قررت نقل بعض آراء ناشطين بارزين على شبكة التواصل الإجتماعي، حيث أصر أحدهم على ”أن الحكم جائر خصوصاً بعد ورود معطيات موّثقة ومصورة تثبت ضلوع فريق ثالث في إشعال إشتباكات عبرا، هو سرايا المقاومة”.

ناشط آخر قارن بين الحكم على الأسير وأحكام أخرى كاتباً؛ ”ميشال سماحة جلب متفجرات من نظام الأسد وضبط بالجرم المشهود – الحكم الذي ناله 13 سنة، فايز كرم إعترف بالتعامل مع العدو الإسرائيلي – الحكم سنتان، عنصر من حزب الله قتل الضابط سامر حنا – الحكم 9 أشهر”. وناشط آخر كتب ” لو لدى الشيخ أحمد الأسير رهينه لحزب الله لتمت تسوية ما وتم ترحيله حيث يشاء والموضوع لم يعد دماء الجيش والدليل ترحيل ابو مالك التلي وعصابته”.

ثم عزز الناشطون كتاباتهم بتعميم وسم ‏#تسقط_المحكمة_العسكرية. هنا لا بد من الذكر بأن تعديل صلاحيات المحكمة العسكرية كان مطلب بعض السياسيين من الصف الأول، فيما آخرين طالبوا بإلغائها..

الحدث الثاني جاء لدى إحتفال الحزب القومي السوري الاجتماعي بذكرى عملية “الويمبي” ضد الاحتلال الاسرائيلي، التي لا أحد ينكر بطوليتها، إنما إخراج الحزب القومي للاحتفال بقطع شارع الحمراء الرئيسي لمدة ثلاث ساعات أمام المارّة جاء مستفزاً لسكان ورواد المنطقة، خصوصاً أن العراضة كانت شبه عسكرية في قلب العاصمة وبمؤازرة القوى الأمنية التي أمنت السير والأمن لها! أما ولدى سؤال عميد الإعلام في الحزب القومي، معن حميّه، شرح ”أنه أريدَ من الاحتفال الذي تميّز بجيل الشباب والفصائل الرمزية إيصال رسالة أساسية، هي أنّ هوية بيروت وطنية ومقاومة ضمن محيطه العربي…”.

هنا لا بد من توجيه أسئلة الى السلطة التنفيذية؛ هل انتم على دراية بردة فعل الناس، منها المعترض وآخر مشمئز من حدثي الامس؟ هل مفهوم عهد الرئيس القوي وحكومة استعادة الثقة أن يتم بخلال فترة أقل من سنة على استلامه الحكم أربعة عراضات، منها عسكرية بحتة؛ استعراض عسكري لحزب الله في القصير تضمن مدرعات أميركية الصنع، ما زالت غير معروفة المصدر، تلاه إستعراض في الضاحية الجنوبية تحت عنوان مكافحة المخدرات، فاستعراض في الجاهلية لما يعرف بسرايا التوحيد، ثم استعراض الحزب القومي في الحمرا؟

هل يحق لجميع الأحزاب الاخرى التي قاومت الاحتلال الاسرائيلي مثل الحزب التقدمي الاشتراكي ان تقيم عراضة مماثلة، اذا شاءت، في منطقة وطى المصيطبة مثلاً وبتاريخ السادس عشر من أيلول من كل عام بمناسبة تنفيذ أول عملية حصلت ضد العدو الاسرائيلي داخل المدينة بيروت، وهي سبقت عملية “الويمبي”؟ او في السمقانية – الشوف حيث قام الحزب الاشتراكي بعملية نوعية تم خلالها قتل ‏13 جندي للعدو الاسرائيلي وإحراق 11 شاحنه محملة بمدفعية من عيار 155 وسياراة اسعاف… أم أن العراضات مسموحة في عهدكم شريطة الإنتماء السياسي لمحور الممانعة؟

image4

الحكم لكم، ولكم خيار الحكم إما على طريقة  ”أنطوانيت” أو كما حكم رئيس وزراء أكثر بلدان العالم صحةً، تقدماً، إزدهاراً وسعادةً، أي رئيس وزراء النرويج، ينس ستولتنبرغ، الذي تنكر في زي سائق سيارة أجرة ليستمع الي مطالب وهموم وقلق المواطنين!!

(الأنباء)