لماذا تعارض إيران الاستفتاء في إقليم كردستان العراق؟

IRAN

يزداد قلق إيران من محاولة إقليم كردستان العراق إجراء استفتاء حول دولة كردية مستقلة. وينتج هذا القلق عن عاملَين. أوّلًا، سيشجّع إعلان دولة كردية مستقلّة الانفصال داخل الجمهورية الإيرانية الإسلامية. ثانيًا، قد تقوّض دولة كردية جديدة طموح إيران بتأسيس “هلال شيعي” يمتدّ من طهران إلى بغداد فدمشق وبيروت لأنّ الدولة الكردية قد تتمتّع بعلاقات أفضل مع الشركاء السنّة في المنطقة بدل إيران.

نظرًا لانتشار السكّان الأكراد عبر تركيا وسوريا والعراق، سيتردد صدى استقلال الأكراد العراقيين عبر المنطقة. فعلى سبيل المثال، قد يثير النزعة القومية في محافظة كردستان في إيران التي تشترك في حدود طويلة مع كردستان العراق. تغذّي خوف إيران ذاكرة تأسيس الجماعات السياسية الكردية الإيرانية لجمهورية مهاباد في إيران عام 1946. وبرزت جمهورية مهاباد كنتيجة لوجود قوّات سوفياتية في شمال يران. وبالرغم من أنّ إيران أعلنت حيادها خلال الحرب العالمية الثانية، إلّا أنّ الأكراد الإيرانيين استفادوا من الاضطراب السياسي. وبعد 11 شهرًا فقط من وجود جمهورية مهاباد، أطاحت بها الحكومة الإيرانية وتمّ إعدام رئيسها قاضي محمد في 31 آذار/مارس 1947 في إحدى الساحات العامّة.

اليوم، تُعدّ قدرة إيران العسكرية قوية بما يكفي لمواجهة أي مجموعة تسعى إلى تقسيم المجتمع الإيراني. إلّا أنّه هناك مجموعات سياسية إيرانية خارج الحدود الإيرانية تشكّل خطرًا على إيران بالرغم من أنّها ممنوعة من ممارسة أي نشاط داخل الجمهورية الإسلامية. ومن بين هذه الجماعات السياسية نذكر “الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني”، و”الحزب الشيوعي الكردستاني الإيراني”، و”حزب الحياة الحرة الكردستاني- إيران”. كما أنّه وعلى مرّ العقود الأخيرة، تمّ شنّ هجمات ضدّ إيران على نطاق ضيّق في المحافظات الكردية الإيرانية. تريد إيران إخماد هذه الهجمات وتخشى أن تثير أي محاولة لإنشاء دولة كردية مستقلّة في العراق المناطق الكردية الإيرانية فتشكّل بالتالي تحدّيات كثيرة للحكومة الإيرانية.

بهدف كبح طموحات إيران الدولية، عبّر القادة العرب السنّة قبل عقد من الزمن عن قلقهم حيال رغبات إيران بإنشاء “هلال شيعي” في الشرق الأوسط. استُخدمت عبارة “هلال شيعي” للمرّة الأولى في العام 2004 من قِبَل الملك الأردني عبدالله الثاني وقد عبّر فيها عن خوفه إزاء التوسّع الإيراني في الشرق الأوسط. كما استخدم هذا المصطلح الرئيس المصري السابق حسني مبارك في مقابلته مع قناة العربية قائلًا: “إنّ ولاء الشيعة في العراق والشرق الأوسط هو أكبر لإيران وليس لأوطانهم”. من هذا المنطلق، يسعى الإيرانيون إلى تأمين حدودهم، ومن خلال دعمهم للمحاربين المدعومين من الشيعة في حربهم ضدّ منظمّات مثل “الدولة الإسلامية في العراق والشام” (داع) يمكّنون إيران من إبقاء الحرب بعيدة عن حدودها.

ومن جهّة أخرى، يعتقد أصدقاء إيران أنّ أهداف إيران أكثر واقعيّة اليوم مما كانت عليه خلال العقدَين الأوّلَين بعد ثورة 1979. يُقال اليوم إنّ إيران تريد بناء علاقات ودّية مع الفصائل الشيعية في الشرق الأوسط بهدف خلق فرص إقتصادية للشركات الإيرانية لتستثمر في البلدان المجاورة نظرًا إلى أنّ إيران قد عانت من العقوبات الاقتصادية التي فرضتها القوى الغربية طوال قرن من الزمن.

غير أنّ الواقع يؤكّد لنا أنّ نظرة القادة العرب السنّة المعادية هي أكثر دقّة. إذ يخشى العديد من القادة العرب السنّة أنّ الهلال الشيعي قد تجسّد بالفعل، مشيرين إلى أنّ إيران قد تدخّلت بشكل كبير في الحرب ضدّ تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” (“داعش”) في العراق ودافعت عن الأقلّية الشيعية العلوية في السلطة في سوريا لحماية بشّار المتمسّك بالسلطة. ومع استكمال “داعش” خسارة سيطرتها على الأراضي في العراق، لا سيّما لصالح “قوّات الحشد الشعبي” المدعومة من إيران، يقلق القادة السنّة من الخطر المحدق الذي يشكّله المحاربون الإيرانيون الشيعة. بالإضافة إلى ذلك، تتمتّع إيران اليوم بتأثير أكبر على الشيعة العراقيين أكثر من أي وقت مضى، وتدعم إيران بشكل صريح القوّات الشيعية مثل “حزب الله” في لبنان. يبدو أنّ “الهلال الشيعي”، أو الممرّ من بغداد إلى دمشق فبيروت، قد بدأ بالظهور. غير أنّ العديد من الدول العربية التي تتمتّع بتحالفات وثيقة مع الغرب مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والأردن ومصر تبحث جاهدةً عن تدابير تهدف إلى وقف التوسّع الإيراني. إلا أنه يبدو أنّ الدول الغربية تفضّل القوّات الشيعية التي تدعمها إيران على “داعش”.

تعتبر الدول العربية السنّية الاستفتاء حول استقلال كردستان العراق قيّمًا لمعاكسة التوسّع الإيراني. إلّا أنّه هناك عامل معقّد آخر؛ إذ ستتشارك الدولة حديثة النشأة في كردستان العراق حدودًا طويلة مع العراقيين السنّة. حاليًا، ليس السنّة مسرورين بتشاطر السلطة داخل الحكومة العراقية، وفي حين كان القادة السنّة بعد العام 2003 يؤيّدون دولة عراقية متكاملة ومركزية، إلّا أنّ سنّة اليوم يدركون تهميشهم في الحكومات العراقية المتتالية.

يتمثّل الخوف القائم بأن يؤدّي إعلان دولة كردية جديدة إلى تقسّم الدولة العراقية في وسط العراق إلى ثلاث محافظات تضمّ عددًا كبيرًا من السكّان السنّة: تكريت والأنبار والموصل. كما قد يفكّر السنّة أيضًا بالمطالبة باستقلالهم الخاص، أو على الأقلّ، بتأسيس منطقة ذات استقلال ذاتي كما في إقليم كردستان الحالي. ولاحقًا قد يودّون تأسيس دولتهم الخاصة والانفصال عن الحكومة التي يسيطر عليها العراقيون الشيعة. لذلك قد يكون لمحاولة إنشاء دولة كردية جديدة تأثير على انفصال آخر في العراق حيث قد يفكّر السنّة بتأسيس إقليمهم الخاص.

أنّ تأسيس دولة كردية في شمال العراق قد يشكّل تحدّيات عدّة للحكومة الإيرانية، لا سيّما لأنّه قد يشجّع النزعة القومية وسط الأكراد الإيرانيين. كما قد تشكّل دولة كردية مستقلّة عائقًا أمام طموح إيران بإنشاء هلال أو ممرّ شيعي بين بغداد ودمشق وبيروت قد يرحّب به أعداء إيران السنّة مثل المملكة العربية السعودية.

(*) معهد واشنطن