لا للتوطين ولا للتطبيع!/ بقلم فؤاد طربيه

IMG-20170923-WA0023

ما من لبنانيين يختلفان على “وطنية” مضمون كلمة الرئيس ميشال عون أمام الجمعية العامة للامم المتحدة الرافض لتوطين اللاجئين الفلسطينيين والنازحين السوريين، التي جاء فيها، ”لبنان لن يسمح بالتوطين لا للاجئ ولا لنازح مهما كان الثمن، والقرار في هذا الشأن يعود لنا لا لغيرنا”، وهو موقف يُتوقع من كل رئيس جمهورية حريص على إستقلال وطنه والحفاظ على التركيبة الديموغرافية و وحدته الوطنية وفرادته…
فور إنتهائه من إلقاء كلمته سارع الاعلام اللبناني “الموالي” الي تظهيرها كرد على كلمة الرئيس الاميركي وكتحدٍ له في عقر داره، في حين بات معلوماً بأنه تمّ تحريف محتوى كلمة الرئيس ترامب في معرض ترجمتها، فهو لم يتحدث عن توطين النازحين في البلدان التي نزحوا اليها، إنما قال حسب الترجمة الرسمية: ”نحن نسعى الى اتباع نهج بالنسبة الى اعادة توطين اللاجئين يهدف الى مساعدة هؤلاء الاشخاص الذين يعاملون معاملة شنيعة، ويتيح لهم العودة في نهاية المطاف الى بلدانهم الاصلية ليكونوا جزءا من عملية اعادة البناء. ومقابل تكلفة اعادة توطين لاجئ واحد في الولايات المتحدة يمكننا تقديم المساعدة الى أكثر من 10 لاجئين في مناطقهم الأصلية”.
رغم دراية الجميع بأن كلمة الرئيس عون لا يمكن أن تكون بمثابة رد على موقف لم يتفوه به الرئيس الاميركي، لاقت كلمته التصفيق والشعبوية الْمُرَادة منها والتي بات هو بحاجة إليها بعد قرابة سنة من ولايته التي اتسمت بنوع من البُهتان! لا بأس ولما لا يُمنح رئيس جمهوريتنا بعض الزخم، والأقربون أولى بالمعروف، لولا أن واقع الأمر يجعل من إختلاق سجال مع الولايات المتحدة الاميركية ورئيسها، في غير مصلحة لبنان لكونها من أكبر المتبرّعين لمساعدة النازحين، وقد بلغت تقديماتها في عام ٢٠١٦ ما يقارب الـ٤٠٠ مليون دولار أميركي، ناهيك عن مساعداتها العسكرية المتواصلة للجيش اللبناني.
أما بعض الساسة اللبنانيين، ولدى سماعهم ترجمة خطاب الرئيس ترامب المحرّفة، هرعوا مشكورين لإستحضار الفقرة “ط” من مقدمة الدستور التي تنص على أن ”ارض لبنان ارض واحدة لكل اللبنانيين. فلكل لبناني الحق في الإقامة على أي جزء منها والتمتع به في ظل سيادة القانون، فلا فرز للشعب على أساس أي انتماء كان، ولا تجزئة ولا تقسيم ولا توطين”، لدحض ما لم يقله ترامب!
إلى كل من تساءل “ببراءة” عن سبب إبراز شبح التوطين وتنصيبه أكثر خطورة من الإرهاب التكفيري، علماً بأن الإرهاب بقي أو أُبقيَ، متربصاً على تخوم الحدود الشرقية لسنوات طويلة، وكاد أن يهدد مدن وقرى الداخل اللبناني، كما زعموا حينه، الي أن قضى الجيش اللبناني على آخر فلوله في الجرود بغضون أيام قليلة، وعندها تبين أن تلك الجحافل التي أرعبوا اللبنانيين من خطورتها لا يتعدى عددها المئات، جاءه الجواب بالتوازى مع ترجمة كلمة ترامب بشكل مغلوط، على لسان وزير سابق ممانع بقوله؛ “سلاح المقاومة هو الضامن لمنع التوطين ومواجهة الإرهاب وأي استهداف له مشاركة في مشروع التوطين”!

 

IMG-20170923-WA0024
أما الحدث “النيويوركي” الآخر كان أقبح ما شهدته الديبلوماسية اللبنانية منذ تحرير لبنان من الوصاية السوري في العام ٢٠٠٥، فكان لقاء وزير خارجية لبنان، بناءً على طلبه، بوزير خارجية نظام الأسد وليد المعلم ”وأتى بسياق العلاقات الطبيعية بين البلدين”، كما ختمت الخبر محطة التيار الوطني الحرّ!
فكانت ”ضربة المعلم بالف ولو شلفها شلف” وكان وزير خارجيتنا في حكومة استعادة الثقة فقَدَ مجدداً ثقة ما يقارب نصف الشعب اللبناني!
أما المُلفت في هذا السياق أن معظم سياسيي الصف الاول لم يعترضوا، بشكل مباشر، على هذا اللقاء ولا تطرقوا، لغاية كتابة هذه الأسطر، الي تخطي وزير الخارجية لصلاحيات رئيس مجلس الوزراء، التي يبدو أنه يهيمن على قسم منها، في حين أنها ممنوحة لرئاسة مجلس الوزراء بموجب المادتين 64 و 65 من الدستور المعدلتين بالقانون الدستوري الصادر في 21/9/1990، اللتين تمنحه حق تمثيل الحكومة والتكلم باسمها، كما يعتبر مسؤولاً عن تنفيذ ”السياسة العامة” التي يضعها مجلس الوزراء، ومن الصلاحيات التي يمارسها: وضع السياسة العامة للدولة في جميع المجالت ووضع مشاريع القوانين والمراسيم التنظيمية واتخاذ القرارات اللازمة لتطبيقها….
إذاً ما هو المقصود من الحَوْكمة التي يمارسها وزير الخارجية منفرداً في رسم وتطبيق سياسة الحُكومة الخارجية، وآخرها لقائه بوليد المعلم؟

IMG-20170923-WA0022
هل المطلوب إحراج بعض حلفائه وبعض خصومه، وعلى رأسهم كُتلْ المستقبل واللقاء الديمقراطي والقوات اللبنانية، الذين تَبنّوا ترشيح العماد عون الى الرئاسة وأدلوا بأصواتهم له، وساروا بالتسوية حفاظاً منهم على ما تبقى من دولة إبان تلويح احد الفرقاء ذوي فائض القوة بالمثالثة وبتعديل الدستور؟ أم المطلوب حث وزراء احد تلك الكتل بالاستقالة ونسف الحكومة وبالتالي نسف التسوية؟
هل يعلم الوزير باسيل أن بتفرده هذا يضعف رئيس مجلس الوزراء وموقعه؟
هل يعلم أن في أقبية النظام السوري الآف المعتقلين اللبنانيين منذ عشرات السنين وهل طالب المعلم بالكشف عن مصيرهم؟
هل يعلم أن هنالك مذكرات جلب من قبل القضاء اللبناني بحق عدة ضباط من نظام الاسد ثبُت ضلوعهم بتفجير مسجدَي السلام والتقوى في طرابلس وهل طالب المعلم بتسليمهم الي القضاء اللبناني؟
أياً كانت الأجوبة، فليعلم وزير الخارجية بأن قسماً كبيراً من الشعب اللبناني مشمئز من لقائه بوليد المعلم ويرفض أي شكل من أشكال التطبيع مع دمشق في ظل النظام الحالي، وليتذكر بأن هذا القسم هو من تظاهر في ساحة الشهداء عام ٢٠٠٥ وكوّن ثورة الأرز التي طردت القوات السورية من لبنان، وما زال موجوداً!
(الأنباء)