الولايات المتحدة بحاجة إلى استراتيجية للشرق الأوسط

الشرق الاوسط

بينما تَوَجه الرئيس الأمريكي إلى الأمم المتحدة هذا الأسبوع، تتصدر قضايا الشرق الأوسط وكوريا الشمالية جدول الأعمال. ففي تلك المناطق، تواجه الولايات المتحدة تصعيداً شديداً في التوتر وهي غير مستعدة له بعد بشكل كاف. فإيران والميليشيات الشيعية التابعة لها، المدعومة من قبل القوات الجوية الروسية، تُهيئ نفسها لملء الفراغ في العراق وسوريا بعد هزيمة تنظيم «الدولة الإسلامية». ويشكّل انتشار الوجود الإيراني ونفوذه خطراً على إسرائيل والأردن ودول الخليج، وربما على تركيا أيضاً. بالإضافة إلى ذلك، وبينما تقوّض إيران سيادة العراق وسوريا ولبنان، حيث الميليشيات الشيعية أكثر ولاءً للجمهورية الإسلامية من دولها الأصلية، من المؤكد تقريباً أنهيار الاستقرار ونظام الأمن الإقليمي الذي تتولى الولايات المتحدة صونه.

وعادة ما يكون دعم الولايات المتحدة للنظام الإقليمي بديهياً، خاصة بالنظر إلى مصلحة أمريكا في الشرق الأوسط. ولا تزال المنطقة تسهم إسهاماً كبيراً في الطاقة العالمية، وعندما لا تُدار، تبقى منطقة مولّدة للإرهاب ومصدراً خطيراً لانتشار أسلحة الدمار الشامل. ومع ذلك، فإن الجمع بين صراعين بقيادة الولايات المتحدة اللَذيْن سارت فيهما الأمور بشكل سيء، إلى جانب الاستياء الشديد من العنف المستمر في المنطقة، قد قوّضا الرغبة الأمريكية [للعب] دور الموازن الإقليمي. وفي حين تعتبر إدارة ترامب أن إيران تشكل تهديداً إقليمياً، واتخذت خطوات تكتيكية ضدها، إلّا أنّ سياساتها لا تزال قيد المراجعة، ولم تضع بعد استراتيجية شاملة. وللأسف، لدى إيران استراتيجية كهذه وتتصرف بموجبها.

لقد بدأ الوقت ينفذ بالنسبة للولايات المتحدة، وإذا لم تضع استراتيجية، فإن الأحداث هي التي ستقود السياسة. فالنزاعان في بلاد الشام – الحرب في سوريا والحملة ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» – على وشك الانتهاء. وقد أصبح من الواضح الآن في النزاع الأول أن الرئيس السوري بشار الأسد – بفضل روسيا وإيران – سوف يبقى مسيطراً على معظم أنحاء سوريا وليس كلها. وفي النزاع الثاني، سيختفي بشكل متزايد الحاجز المؤقت الذي كان يفصل جهود إيران وسوريا من الجهود التي تقودها الولايات المتحدة ضد تنظيم «الدولة الإسلامية». وسرعان ما ستقف الولايات المتحدة والحلفاء المحليون في جميع أنحاء سوريا والعراق إلى جانب المتشددين التابعين لإيران، كما هم الآن في جنوب سوريا، وفي منبج في الشمال، وبالقرب من الموصل. وبدون تنظيم «الدولة الإسلامية» لتبرير هذا الوجود، يجب على الولايات المتحدة أن تنسحب أو تستخدم موطئ قدمها لمقاومة برنامج إيران لتحويل سوريا والعراق إلى دول تابعة.

إن أي خطة أمريكية للطعن في التوسع الإيراني لا تشمل سوريا والعراق، فالسؤال الذي يطرح نفسه عندئذ، أين يمكن للولايات المتحدة وضع الحد الفاصل؟ فمن شأن هيمنة إيران في تلك المنطقة أن تُقسّم الشرق الأوسط، وتُهدد إسرائيل وتركيا، ومن خلال هيمنتها على المناطق العربية ستقوّض مطالبة العالم العربي بالتحكّم في مصيره. وبدعم من روسيا المنبعثة من جديد، يمكن لإيران كهذه أن تهدد بشكل خطير مصالح الولايات المتحدة وأصدقائها.

وواشنطن تدرك ذلك. ولهذا السبب تقوم إدارة ترامب بمراجعة سياساتها تجاه إيران، وتُصنّف المزيد من المسؤولين الإيرانيين والشركات الإيرانية كميسّرين للإرهاب، وتهدّد بالإعلان بأن إيران لا تفي بالتزاماتها بموجب «خطة العمل الشاملة المشتركة»، كما يُعرف الاتفاق النووي الإيراني. ولكن حتى عند أخذ هذه العوامل مجتمعة في عين الاعتبار، لا ترقى هذه الخطوات إلى استراتيجية حقيقية. فالاستراتيجيات الحقيقية تحدّد أهم أهداف بلد ما، وتضع السياسات التي تسمح له باتباعها، وتحشد الحلفاء والثروات القومية، بما فيها مجموعة كاملة من الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية لتحقيق الأهداف المعلنة. وقد رأى الرؤساء تاريخياً، أنه من الممكن تركيز أقصى قدر من الاهتمام والاستراتيجيات الشاملة على عدد قليل جداً من القضايا في وقت واحد. ومن الأمثلة على ذلك توحيد ألمانيا في “حلف شمال الأطلسي” أثناء رئاسة جورج بوش الأب؛ والبلقان أثناء رئاسة بيل كلينتون؛ والعراق أثناء رئاسة جورج دبليو بوش؛ وبرنامج إيران النووي أثناء رئاسة باراك أوباما. أما السياسات الأخرى التي لا تتوفر فيها الموافقة الكاملة من قبل الرئاسة الأمريكية – مثل تلك التي طرحها وزير الخارجية الأمريكي السابق جون كيري حول سوريا وإزاء اتفاق إسرائيلي – فلسطيني، أو ما طرحتاه مادلين أولبرايت وكوندوليزا رايس فيما يتعلق بكوريا الشمالية – فهي تفتقر لهذه المعايير لـ “الاستراتيجية الحقيقية “. وهكذا، فمن أجل التعامل مع إيران بشكل فعال، يجب على الرئيس الأمريكي أن يجعلها إحدى اثنتين أو ثلاثة من استراتيجياته المميزة في مجال السياسة الخارجية.

ما هي المبادئ التي ينبغي أن توجه هذه الاستراتيجية؟

أولاً، العمل بهدوء مع حلفاء الولايات المتحدة لمساعدتهم على الشعور بأنهم جزء من الاستراتيجية المتعلقة بإيران – من خلال ضمان أن بإمكان الولايات المتحدة زيادة النفوذ على إيران، وإبقائها معزولة، والحفاظ على دعم الحلفاء في التمسك بهذا الجهد. (وفيما يتعلق بالحلفاء، يجب التفكير حول المخاطر المحتملة، فضلاً عن التأثير المحتمل للإجراءات على قضايا أخرى مثل كوريا الشمالية – أو كيف يمكن للإجراءات التي تتناول معالجة [المشاكل مع] كوريا الشمالية أن تؤثر على الاستراتيجية تجاه إيران.)

ثانياً، إذا كانت إيران تشكل التهديد الرئيسي الذي تواجهه الولايات المتحدة في المنطقة، فلا يمكن للإدارة الأمريكية أن تُخضِع استراتيجيتها [لرغبة] الإيرانيين في محاربة تنظيم «الدولة الإسلامية». فإيران دولة تشكل خطراً أكبر بكثير، خاصة في ضوء نجاحها في استخدام الميليشيات الشيعية. ولا شك أن السياسة التي تركز على تنظيم «الدولة الإسلامية» لا بد وأن تضر على الأرجح [بالمصالح الأمريكية] لأن السياسات الإيرانية الطائفية تجازف بإبعاد السنة وإعادة تهيئة الظروف التي ولّدت تنظيم «الدولة الإسلامية» في البداية.

ثالثاً، الإدراك بأنه لا يمكن للرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن يصلح معضلة أمريكا مع إيران في سوريا. فالتواصل والتنسيق مع الروس أمر منطقي، ولكن ما لم تكن الولايات المتحدة مستعدة لرفع الثمن الذي يدفعه الروس، فسيواصلون معاملة الإيرانيين والميليشيات الشيعية كمنفذيهم الميدانيين. يجب التوضيح بأن أمريكا لن توقف الإيرانيين أو وكلائهم في سوريا، ولكنها ستستخدم قوتها الجوية المتفوقة لمنعهم من التوسع بصورة أكثر، وهي السياسة الوحيدة التي من شأنها أن تجبر بوتين على أن يحاول تقييد التحركات الإيرانية. وآخر ما يريده هو تصوّر دولي بأن القوة الأمريكية هي التي تقرر النتيجة في سوريا.

رابعاً، يتعيّن ممارسة النفوذ الأمريكي لإنهاء الموقف المعقّد الذي حرّض السعودية والإمارات والبحرين ومصر ضد قطر. وفي حين تحتاج قطر إلى تغيير سلوكها، فقد آن الأوان لإنهاء تشتت الفكر وحشد جميع الشركاء الأمريكيين، مع سكانهم المتفوقين، وجغرافيتهم، وقدراتهم العسكرية، وثرواتهم، والذين يصلون مجتمعين إلى مستوى تتضاءل فيه إمكانية مواجهتهم من قبل الشراكة بين إيران وروسيا.

خامساً، يجب شرح السياسة الأمريكية بشكل متكرر للأصدقاء والأعداء على حد سواء؛ ولا ينبغي لأحد أن يشك في النوايا الأمريكية.

سادساً، يتعيّن الاعتراف بالمعايير الدولية وليس الاستهانة بها. وقد تكون «خطة العمل الشاملة المشتركة» هدفاً رابحاً، ولكن يجب التعامل معها بطريقة تُظهر أن واشنطن تأخذ في الإعتبار مخاوف حلفائها حتى في الوقت الذي تريد منهم أن يعالجوا المخاطر التي يراها المسؤولون الأمريكيون في الاتفاق.

سابعاً، يجب عدم الانسحاب من مناطق أو التخلّي عن مواجهات ما لم تكن المخاطر هائلة. ولا تزال مصداقية الولايات المتحدة، التي تشكل إطار جميع النظم الأمنية، ضعيفة على الرغم من الردود العسكرية الأخيرة التي أذن بها الرئيس ترامب.

وأخيراً، لكي تكون الولايات المتحدة ناجحة، يجب ألا تتمادى في رد فعلها وتضغط  من أجل الحصول على مطالبها. وقد فهم الرئيس جون كندي ذلك خلال “أزمة الصواريخ الكوبية”، ولكن الأهداف الطموحة قد أضعفت الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وحيث تتمتع الولايات المتحدة بقوة جوية متفوقة إلى حد كبير من تلك التي نشرتها روسيا لتحويل المسار في الحرب السورية، بإمكان أمريكا بالتأكيد احتواء إيران و ووكلائها. وليس هذا هو الوقت أو المكان المناسب للولايات المتحدة للالتزام [بنشر] قوات برية – حيث أن احتواء الوجود الإيراني وإقامة حواجز ومناطق آمنة حقيقية للشركاء المحليين في سوريا ودول أخرى سوف يعالج المصالح والاحتياجات الأمريكية.

(معهد واشنطن)