نشيد إعادة إعمار لبنان

بسام الحلبي

بسام الحلبي

في مطلع تسعينات القرن الماضي، بعد إنتهاء حالة العصيان التي كانت تقسم البلاد إلى قسمين، تصوّر اللبنانيون أنّ بلادهم سيعاد بنيانها و أن السلطة فيها التي فارقت الحياة في الحروب العبثية التي كانت قد إبتليت بها لمدة خمسة عشرة سنة، نتيجة التركيبة العجائبية للبلاد ستسترد هيبتها، وتعود الشرعية لبسط سلطتها على كامل تراب الوطن، مستفيدة من تجربة الحرب الناتجة عن ضعف السلطة والفساد المتجذر فيها. وتعبيراً عن الفرحة الشعبية العارمة التي غمرت الناس أنشد الموسيقار زكي ناصيف أغنية تحت عنوان “راجع يتعمر لبنان” وكانـت قفلة مقاطع الأغنية تقول “هلا يابا هلا يابا راجع لبنان” .

تذكرت هذه الأغنية، التي كانـت في حينه نشيد إنتهاء الحرب الأهلية، التي عبّر من خلالها الموسيقار الكبير، عن الشعور الشعبي والوطني بإعادة إعمار لبنان، وقد تذكرتها عندما رأيت أين وصلت ورشة إعادة الإعمار للبنان بعد مرور خمسة وعشرين سنة من رحلة البناء.

إنّ ما بُني في لبنان، في فترة إعادة بنيانه، هو الأبنية التي يملكها رأس المال والشركات العقارية، أما ما تدمر من قرى ومدن و بنى تحتية فإن الأهالي أعادوا بناءها  أما الدولة اللبنانية فقد أنشأت وزارة للمهجرين قامت بكل الموبقات بإستثاء البناء، أما السلطة التي كان يقتضي المباشرة في بنيانها فإنها باتت تحكم بعض المواقع من الوطن والبعض الآخر تحكمه الأحزاب والزعامات، زعامات الحرب الأهلية والمناضلين الثوريين الذين تحولوا إلى رجال أعمال أثرياء حرب بكل معنى الكلمة واستلموا السلطة، والشعب ما زال يصفق لهم، رغم أنهم إستزلموا لحزب البعث العربي الإشتراكي الذي كان له الدور الاكبر في الحرب اللبنانية والذي إرتكب في لبنان الجرائم على إختلاف أنواعها الأمر الذي لم ترتكبه إسرائيل سنة 1982 عند الإجتياح، والملفت ان الشعب سيعيد إنتخاب هذه الزعامات في الإنتخابات النيابية.

لبنان-يا-قطعة-سما-

دولة فيها حكومة لكل وزير فيها سياسة خاصة بمرجعه ينفذها خلافاً لقرارات مجلس الوزراء ويسخر من رئيسه في تصاريح علنية، دولة حكومتها بذريعة ممارسة سلطتها الدستورية تتعدى على السلطة القضائية وتفوح  من قرارتها روائح الصفقات والفساد، و الأحزاب السياسية المدنية فيها ما زالت التنظيمات الأمنية ناشطة فيها والبعض أصبح لديه أجهزته الخاصة أمنية وقضائية والاهم عسكرية يعلن الحرب ويشارك في الحروب الإقليمية ويرفع أعلامه على المواقع العسكرية وله مكتب إعلام حربي، أما الدولة فهي غافلة غير معنية بوضع ولو المدماك الأول لبناء سلطاتها وتتلهى بصفقات الغاز والكهرباء وسواها.

دولة يوضع القانون فيها وقبل نشره يجهز القانون التعديلي له بدلاً من إعادته الى السلطة التشريعية للتعديل قبل النشر والسلطة التشريعية في حالة غيبوبة فهي تضع القوانين غير القابلة للتطبيق، كما فعلت بقانون الإيجارات التي أصدرته المرة الأولى نهاية سنة 2014، ومرة ثانية بداية سنة 2017، ورغم ذلك أنا على ثقة بأنّ رجال القانون الذين وضعوه لا يفهمونه ويتعذر عليهم مناقشته في دعاويهم، دولة سلطتها القضائية خاضعة لرجال السياسة والزعامات ولا تتحرك إلا إذا سمح لها هؤلاء، ورغم تواضع إنتاجيتها تتوقف عن عقد الجلسات، تعلن الإضراب.

دولة يموت شعبها لأنه لا يملك المال لدخول المستشفيات وإذا ملكه فيموت لأنه لا يستطيع الوصول إلى المستشفى من زحمة السير، وإذا وصل مات على بابها لتعذّر تأمين المال، دولة بدلاً من تنظيم مؤسسة كهربائها، تنظم إدارة المولدات التي تبيع المواطنين التيار، دولة فيها عدد من الجامعات التي تخرّج آلاف الطلاب ليزداد عدد العاطلين عن العمل.

دولة يقتل فيها كل يوم أكثر من شخص نتيجة الرصاص الطائش فرحاً أو حزناً أو تعبيراً عن تأييد زعيم يتكلّم على التلفزيون. دولة جدد فيها المجلس النيابي ثلاث مرات ووضع قانوناً للإنتخاب، يذكر بتلك اللعبة الشهيرة للأطفال المسماة المتاهة حيث كان يوضع سهم في جهة من مربع في المجلة ويطلب من الولد الخروج من الجهة الأخرى (Labyrinth)، يدّعون الوطنية وخطابهم لا يتناول إلاّ المحافظة على طوائفهم ويتباهون بأنّ الهدف لديهم هو الطائفة وليس الوطن، دولة تحيا بدون ميزانية منذ إحدى عشرة سنة، دولة شاركها في رسومها الجمركية الأحزاب المتسلطة، دولة يحكمها من دمّرها وعاث في الأرض فساداً فيها.

ولن أتابع لأنني سأتجاوز الحد المسموح به “في المنبر” .

يبقى أن أقول أنّه في الحقيقة، ليس ما تعمر في لبنان حالياً منذ بداية تسعينات القرن الماضي ليس الدولة بمفهومها العلمي والحضاري، بل ما تعمّر هو دولة تفوق جمهورية “جورج أرويل” وتفـوق أي معمل حرير “باللغة التركية”. علماً أن في جمهورية أرويل هناك الدكتاتور المستبد الذي يحكم وفي معمل الحرير التركي هناك مديرة والحماية مؤمنة من أحد القبضايات.

وأختم فأقول لو كان المرحوم زكي ناصيف ما زال حيّاً فقد كان سيبدل قفلة المقاطع لأغنيته بحيث تصبح “علي بابا علي بابا رجّعوا لبنان”.

(الانباء)