تفاهم أميركي ـ روسي تحت النار: «الجزيرة السورية» مقابل دير الزور

syria

السباق الأميركي – الروسي مستعر على وراثة تنظيم داعش في الزاوية السورية – العراقية – التركية، لكنه مشفوع أيضاً بتفاهمات يرسمها الطرفان لحلفائهما على الأرض. «قوات سوريا الديمقراطية» المدعومة من واشنطن تسيطر على «الجزيرة السورية» شرق نهر الفرات مقابل سيطرة قوات النظام السوري و«حزب الله» المدعومين من موسكو على مدينة دير الزور ومطارها.

الصورة لم تنتهِ. إنه تفاهم تحت النار. لا يزال كل طرف يُحمل جنوده قوارب وجسوراً مائية للتلويح بالعبور إلى الضفة الأخرى من نهر الفرات. والجديد، هو سعي رئيس «الهيئة التفاوضية العليا» رياض حجاب للحصول على دعم أميركي – إقليمي لدعم مقاتلين من «الجيش الحر» لتثبيت موطئ قدم للمعارضة في مدينتي الميادين والبوكمال على الحدود السورية – العراقية، باعتبار أن القادة العسكريين يعرفون أن المعركة الكبرى لم تحصل بعد، وهي «معركة وادي الفرات» الممتدة بين سوريا والعراق.

في التفاصيل، إن سرعة تقدم قوات النظام و«حزب الله» بغطاء جوي روسي، فاجأت قادة في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) و«قوات سوريا الديمقراطية» المدعومة من نحو 1700 من الوحدات الخاصة في التحالف الدولي ضد «داعش» بقيادة أميركا. مسؤول غربي رفيع المستوى يقول لـ«الشرق الأوسط» إن التفسير هو واحد من اثنين؛ الأول، تجميع قوات النظام وحداتها القتالية الخاصة من غوطة دمشق ووسط سوريا وجنوبها وشمالها بعد تثبيت اتفاقات «خفض التصعيد» برعاية روسية والتوغل من 4 جبهات إلى دير الزور شرق البلاد تحت غطاء من صواريخ «كالبير» التي أطلقتها البحرية الروسية من البحر المتوسط والقاذفات الروسية. الثاني، صفقة مريبة بين قوات النظام وتنظيم داعش استكمال للصفقة التي أنجزت في القلمون الغربي قرب حدود لبنان وتضمنت نقل مئات من عناصر التنظيم إلى البوكمال، بحيث إن التنظيم الذي فقد «قادته المتشددين قصفاً» توقف عن القتال في دير الزور التي كان يسيطر على معظمها. هذا يفسر قصف التحالف قافلة «دواعش القلمون» وقتل روسيا قياديين من «داعش».

تقدم قوات النظام وحلفائها أرضاً وجواً والوصول إلى مطار دير الزور بعد فك الحصار عن المدينة المستمر من 3 سنوات، استدعى اجتماعات عاجلة بين قوات التحالف الدولي بقيادة أميركا و«قوات سوريا الديمقراطية». وبحسب أحد المسؤولين المشاركين في الاجتماع، فإن الجانب الأميركي لم يكن متحمساً لبدء معركة ريف دير الزور، باعتبار أن موقف إدارة دونالد ترمب يقوم على أن لا مانع من قيام أي طرف بهزيمة «داعش» بما في ذلك قوات النظام، وأن الأولوية هي لمعركة الرقة لطرد التنظيم من معقله والمتوقع إنجازها نهاية الشهر المقبل.

بالنسبة إلى قادة «وحدات حماية الشعب» الكردية، المكون الرئيسي في «قوات سوريا الديمقراطية»، فإن «التفاهم» هو أن تكون قوات النظام موجودة «في الشام، أي غرب نهر الفرات» و«قوات سوريا الديمقراطية» التي تشكل «الوحدات» كتلة رئيسية فيها موجودة في «الجزيرة السورية»، أي شرق نهر الفرات. ولدى تلويح قادة «وحدات حماية الشعب» الكردية بأن ترك النظام يعبر نهر الفرات سيؤثر على معركة الرقة (حرر 70 في المائة منها) وصدام مع قوات النظام، أسفرا عن صدور قرار أميركي بدعم معركة «عاصفة الجزيرة» لتحرير الضفة الشرقية لنهر الفرات والوصول إلى تخوم دير الزور. ونقل أحد المسؤولين لـ«الشرق الأوسط» عن مسؤول أميركي قوله: «لن نسمح للنظام بعبور نهر الفرات».

وجرت في الشدادي في ريف الحسكة، اجتماعات عدة بين قادة التحالف و«قوات سوريا الديمقراطية» أسفرت عن وضع الخطة العسكرية بتوفير نحو 10 آلاف مقاتل بدور رئيسي للعشائر العربية و«مجلس دير الزور العسكري» لفتح جبهتين من الشدادي وأبو الخشب بغطاء من التحالف ودعم الوحدات الخاصة، الأمر الذي أدى إلى نتائج سريعة تجلت بالسيطرة على 50 كيلومتراً في العمق نحو دير الزور. والخطة، هي «تحرير الضفة الشرقية خلال أسبوع»، لكن بشرط عدم عبور النهر بحيث تكون آخر نقطة لـ«قوات سوريا الديمقراطية»، هي معمل السكر على الطرف الشمالي لدير الزور.

وبين تقدم قوات النظام وحلفائها من جهة و«قوات سوريا الديمقراطية» وشركائها من جهة ثانية، اقترح حجاب أن تقدم أميركا دعماً لفصائل في «الجيش الحر» بينها «مغاوير الثورة»، كان طلب منها التوقف عن قتال النظام في البادية السورية قرب حدود الأردن، كي تذهب لقتال «داعش» شمال شرقي البلاد. وتضمن الاقتراح توفير ألفي مقاتل مع احتمال رفع العدد إلى 5 آلاف للسيطرة على الميادين والبوكمال.

العقدة، بحسب مسؤول غربي، نقل المقاتلين، حيث إن «قوات سوريا الديمقراطية» ترفض أي دور لفصائل «الجيش الحر» في شكل منفصل، وإنه لا بد أن تكون تحت «لواء سوريا الديمقراطية»، الأمر الذي ترفضه هذه الفصائل وتركيا. هنا، طرح خيار آخر بانطلاق فصائل «الجيش الحر» من قاعدة التنف الأميركية قرب حدود العراق إلى البوكمال، لكن هذا يتطلب انخراطاً عسكرياً أكبر والاستعداد لتحدي قوات النظام وميليشيات إيرانية في الطريق إلى البوكمال وريف الزور. القادة العسكريون الميدانيون يقولون إن الهدف هو قتال «داعش». لكن السياسيين يشيرون إلى أن المعركة في أحد أبعادها هي على النفوذ الإيراني شرق سوريا وقطع طريق طهران – بغداد – دمشق – بيروت، الأمر الذي تحشد إيران لبقائه وتسعى روسيا إلى «تحديده وليس القضاء عليه»، بحسب المسؤول. كما استطاع العسكريون الأميركيون والروس عبر قناة «منع الصدام» القائمة في عمان، التوصل إلى تسويات لرسم خطوط القتال ومناطق النفوذ في تجارب سابقة حول معسكر التنف بعمق 55 كيلومتراً قرب العراق و«هدنة الجنوب» قرب الأردن وإسرائيل وبين منبج والباب قرب تركيا، وهم مدعوون مرة أخرى لرسم خطوط دقيقة في «الجزيرة السورية» ودير الزور استعداداً لخطوط قتالية جديدة ستظهر في سوريا والعراق لدى خوض «معركة وادي الفرات».

(الشرق الأوسط)