غرفة رجع الصدى

د. قصي الحسين

K.H

سمحت مرونة المقاومة الإسلامية وإمكاناتها الخاصة لها، بأن تحتفظ بهيبتها بوصفها قوة متميزة تجاه القوى العسكرية الأخرى، بأنواعها ومختلف ساحاتها. إذ كان لا بد لها من أن تنهض لمواجهة التحدي المفروض عليها، شاهرة ما لديها من المقومات، كي تخرج من مشكلاتها وتناقضاتها، وتتبنى وجهات نظر جديدة، وتكامل بينها، وتتقدم على طريق الاستراتيجية المتنوعة والمتكاملة.

ويمكن أن تقدم هذه المقاومة الإسلامية (حزب الله) اليوم، من خلال تجربتها الحية في الساحات: العراقية والسورية واللبنانية، دليلاً حديثاً شاملاً في حقل الدراسات الاستراتيجية المقارنة. إذ تزودنا بمعلومات واضحة ودقيقة ومفيدة، وتمنحنا بالإضافة إلى ذلك تحليلات وأمثلة جديدة. وتعيد تشكيل المعلومات المتوافرة ضمن حوارات نظرية جديدة ومتنوعة تخص المقاومة المقارنة، بينما هي تتطرق إلى تاريخ حقل المقاومة المعرفي، والى تطبيقاتها العمليّة.

فمن خلال نظرتنا إلى المقاومة المقارنة، ضمن سياق عالمي وكوني، أو قومي ووطني، يمكن لنا أن نقدم نقاشات ومقارنات بين المقاومة الإسلامية وحركات مقاومة أخرى، وبين الساحات التي اشتغلت عليها، باعتبارها حقولاً تجريبية حية ومؤثرة في مسار النهوض أو السقوط في هذه الأوطان العربيّة الثلاث والتي عرفت تجربة المقاومة الإسلامية الحديثة عليها.

وباعتبار أن لبنان الذي أنبت تجربة المقاومة، والمقاومة الإسلامية – (حزب الله)، فإنه بالتالي يشكل “غرفة رجع الصدى” لمسارات المقاومة وارتداداتها، بحيث يحسن بالمقاومين والسياسيين والباحثين الاستراتيجيين، إشباعها بمناقشاتهم لقضايا، قومية ودينية ووطنية وثقافية ونقدية، من خلال توجهها لجذب اهتمام المقاوم المحترف، بالإضافة إلى المقاوم العام.

حزب الله

ويفصل الباحثون والسياسيون والمقاومون، بين حقبتين أساسيتين من تاريخ المقاومة الإسلامية في لبنان:

1- حقبة ما قبل حرب تموز 2006.

2- حقبة ما بعد حرب تموز 2006.

وتستدعي حقبتا المقاومة الإسلامية تلك، تبصرات عدد كبير من هؤلاء الباحثين والمؤرخين والمقاومين، والاختصاصيين بالعمل المقاوم، وكذلك أهل السياسة والثقافة والنقد، وعليهم أن يعيدوا في الوقت عينه، التفكير جيداً في هذا العمل المقاوم، بحيث يتاح لهؤلاء جميعاً، على نحو رشيق، فرصة للتفكير بطرق جديدة تتعلق بالمقاومة المقارنة وبالعمل المقاوم عموماً، وهم يعرضون بصورة فعالة اسهاماتها ذات الفعالية، أو تلك غير ذات الفعالية، في حركات المقاومة العربيّة والعالمية والتعددية، وذلك من خلال سلسلة النقاشات والدراسات الدقيقة والأمينة المخصصة لنظريات المقاومة وإزالة الاستعمار أو الاحتلال أو التعديات أو الاعتداءات، لا فرق.

حتما ستغدو هذه النقاشات والدراسات والأوراق الاستراتيجية، في وقت قريب جداً من متطلبات القراءة في دروس المقاومة في لبنان والعراق وأخيراً في سورية، وغداً ربما في أماكن أخرى. فكل الأوطان العربيّة مرشحة لتكون أرض مقاومة أو ساحة فعل مقاوم وبلا استثناء لرفض أو رصد الاستعمارية والاحتلالية والتعدية والإعتدائية والغبنية، عرقاً وديناً وطائفة وأقلية.

والجثث الرائعة، منذ ظهور المقاومة الإسلامية على أرض الجنوب اللبناني، وحتى حرب تموز 2006، خفت روعتها في سورية ولبنان والعراق، في الحقبة التالية والتي عرفت ما بعد حرب تموز 2006. وتقديم النقاشات والأوراق والدراسات والقراءات، مفيد ومنعش للذاكرة، حيث يمكن أن نزود منها بنظرة تاريخية شاملة لهذا الحقل المعرفي المقاوم، من خلال تعاريفه المتنوعة وبعض أطروحاته المعقدة، فيما يخص التوجهات المستجدة والتي ينمو فيها العمل المقاوم اليوم، أو التي يمكن أن ينمو فيها مستقبلاً، ما دمنا نطرح ويطرحون اليوم للنقاش، مستقبل المقاومة الإسلامية، بعد تحرير الجرود وجميع نقاط الحدود الشرقية مع سورية.

إن القضايا الحيوية المثارة اليوم في العمل المقاوم، تسمح بتضمين قضايا أخرى، مثل الأمن الوطني والأمن القومي والأمن الديني والطوائفي والأكثري والأقلوي. وكذلك تحديد الساحات التابعة لها. ويمكن فهم الأفكار المثارة على نحو محفز يضيء الأفكار الوطنية والقومية والدينية الحالية والتطورات المستقبلية للعمل المعرفي المقاوم. واستعادة الحوارات القديمة مفيدة لنا من أجل الشروع في فهم المشكلات الحالية، عبر مناقشات مفتوحة.

ولا شك أن هذه النقاشات ستنجح حين تتجاوز فكرة أن المقارنات بين ساحات المقاومة الإسلامية وبين حقباتها غير محببة لدى البعض، وأنها تؤدي إلى مشكلات، بالإضافة إلى فكر موت المقاومة الإسلامية هنا أو هناك (حزب الله)، لأن المقاومة الإسلامية بكل بساطة ما زالت حية وفاعلة. ولو أنها اليوم ملزمة بالإبحار بين صخرة سيلّة للتفكيك (صخرة خطرة في الجانب الايطالي من مضيق مسينا) ودوامة كاريبديس للدراسات الاستراتيجية (وحش بحري تمثل بدوامة وعد خطراً على الإبحار في مضيق مسينا). إذ البحث يمكن أن يركز على السؤال النظري حول المفاهيم المحتملة للمقاومة الإسلامية بمزاياها وأخطارها. فكما هي الحال مع النظرية، كذلك مع المقاومة المقارنة: يبدو لي أن انتصاراتنا مقدر لها أن تكون انتصارات من دون نصر. وأن على المقاومة الإسلامية، أن تعود إلى موطنها في الجنوب اللبناني لا خارجه، باعتباره يشكل بالنسبة لها: “غرفة رجع الصدى” لرصد تحولات استراتيجية ذات صلة بها.

*أستاذ في الجامعة اللبنانية