إدلب… معقل المعارضة السورية التي اخترقتها الرايات السوداء

النصرة

إدلب؛ المحافظة السورية الوحيدة الخاضعة لهيمنة المعارضة، أصبحت، وعلى نحو متزايد، تحت سيطرة جماعة مسلحة متشددة تابعة لتنظيم القاعدة (جبهة النصرة)، حيث يطوف المسلحون التابعون لها الشوارع فيما يشبه الدوريات الأمنية ويراقبون المسافرين

وبأسلوب المتشددين نفسه، ترفرف «الرايات السوداء» بأنحاء محافظة إدلب، حتى مع محاولة بعض المسؤولين المحليين التصدي للمتطرفين في محاولة لإنقاذ أي قدر ما زالوا يتمتعون به من الاستقلال. ويمكن أن تكون عواقب تلك السيطرة التدريجية والزاحفة للمتشددين مدمرة على ما يقدر بمليوني شخص هناك، وكثير منهم نزحوا بالفعل بسبب 6 سنوات من القتال في سوريا.

وإذا ما أكدت «جبهة النصرة»؛ الجناح التابع لـ«القاعدة» والمكون الأكبر للتجمع الذي يعرف باسم «هيئة تحرير الشام»، سيطرتها على المهام والوظائف الحكومية الأساسية، فيمكن أن يتوقف تدفق المساعدات الإنسانية. وهناك أيضا مخاوف من أن تقوم الولايات المتحدة أو روسيا أو النظام السوري، بتكثيف الهجمات والضربات الجوية على تلك المحافظة.

يقول محمد، وهو صاحب متجر طلب عدم الإفصاح عن اسمه كاملا، لوكالة الأنباء الألمانية: «غارة جوية واحدة ستكون كافية لأن أخسر كل ما ادخرته». ويقول إن كمية السلع المعروضة للبيع قليلة بالفعل.

ويمثل الدمار الناجم عن الضربات الجوية الماضية عاملا واحدا فقط من بين العوامل التي ساهمت في دعم «هيئة تحرير الشام». ومن العوامل الأخرى رفض حكم رئيس النظام بشار الأسد، وخيبة أمل إزاء المجتمع الدولي، وفشل الجماعات المعارضة المعتدلة، والمعتقدات المحافظة المنتشرة بين سكان محافظة إدلب، التي تعززت خلال الحرب.

وقال وليد، وهو أحد المؤيدين لتلك الجماعة: «سواء كانت (هيئة تحرير الشام) هنا أم لا، فستكون هناك غارات جوية»، رافضا أي فكرة مفادها أن الجماعة المتشددة ستتحمل مسؤولية مزيد من الحرب. ومع ذلك، شهدت الجماعة احتجاجات ضد فرضها سيطرتها، ويعود ذلك للسنوات التي بدأت خلالها في السيطرة على القرى والبلدات. ويرجع ذلك جزئيا إلى غريزة «القاعدة» التي تميل إلى القمع السياسي، وليس فقط رؤيتها الدينية.

وقال عضو في المجلس المحلي ببلدة صغيرة لا تزال غير خاضعة بالكامل لسيطرة «هيئة تحرير الشام»، التي كانت تعرف باسم «جبهة النصرة»: «الشيء الأكثر فظاعة هو أنها تخطف أي شخص يكتب أو يدلي ببيان ضدها». وذكر سام هيلر، وهو محلل لدى مؤسسة «ذا سينشري فاونديشن» ومقرها بيروت: «إنها تحظى بوضع الهيمنة بلا منازع… كل الجماعات الصغيرة ليس لديها خيار سوى انتهاز الفرص وركوب الموجة».

والجماعة الوحيدة الأخرى التي تنافس «هيئة تحرير الشام» هي جماعة «أحرار الشام»، وهي أيضا فصيل متشدد، ولكنه من دون أجندة بمطامع دولية. ومع ذلك، فقد تم إحباط مناوراتها وهزيمتها من الناحية التكتيكية والاستراتيجية والآيديولوجية.

وقال أحد السكان المحليين، طالبا عدم الكشف عن هويته، إن «الحياة باتت الآن تشبه للغاية الحياة في أفغانستان تحت حكم طالبان. هناك جيوب ومناطق مستترة يمكن للأشخاص التدخين فيها، ولكن (هيئة تحرير الشام) تكثف مصادرة منتجات التبغ وفرض قواعد صارمة خاصة بالملابس».

وتعترف منظمات الإغاثة المحلية بأنها تشعر بالذعر بشكل متزايد من أنه في أي لحظة يمكن أن تقطع الجهات المانحة الدولية والجمعيات الخيرية مساعداتها عن إدلب بعد سيطرة «هيئة تحرير الشام» على الحدود مع تركيا؛ المعبر الوحيد إلى إدلب من خارج سوريا.

واتخذت أنقرة، التي كانت مترددة منذ فترة طويلة في فرض قيود على إدلب، خطوات في أغسطس (آب) الماضي لتضييق الخناق على الحدود، ولكنها ما زالت تسمح بدخول الإمدادات الغذائية والأدوية الحيوية.

والحسنة الوحيدة على الصعيد الإنساني تتمثل في أن المجتمع الدولي لا يريد أن يرزح شعب إدلب تحت طائلة الجوع. وإن لم تفعل «هيئة تحرير الشام» شيئا متهورا، فسوف تستمر الجهات المانحة في إرسال الإمدادات.

وإذا لم يكن هناك هجوم كامل على إدلب من قبل كثير من خصوم «هيئة تحرير الشام»، فقد يضطر السكان للتكيف مع الحياة في ظل جماعة متشددة ومقاتلة، مع اضطرار النساء إلى الاحتجاب تحت الزي الذي يغطي كامل الجسد ومواجهة القيود في الأماكن العامة.

وقد تم إجبار الدروز، وهم أقلية دينية في إدلب، على التحول إلى المذهب السنّي، بينما تزداد سيطرة المتطرفين خطوة بخطوة. ويقول مسؤول محلي، رفض الكشف عن هويته: «المدنيون غاضبون للغاية، ولكنهم يقفون عاجزين». وأضاف: «هناك حالة من الرعب في إدلب».

(الشرق الأوسط)