عناق الأكراد

د. قصي الحسين

K.H

يتحدث محققون تابعون للأمم المتحدة في جرائم حرب، إن الضربات الجوية المكثفة التي يشنها التحالف الدولي، دعماً لقوات سورية الديمقراطية “قسد”، في معركتها ضد تنظيم الدولة الإسلامية في الرقة والموصل “داعش”، لأجل استعادة هاتين المدينتين من بين أظافرها وأسنانها، إنما تتسبب في خسائر مذهلة في أرواح المدنيين، في كلا المدينتين التاريخيتين، ويجعل عناق الأكراد والتحامهم كالرقص في النار.
وتبدي منظمة “هيومن رايتس ووتش” قلقها وذعرها من استخدام “التحالف الدولي” بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، مادة الفسفور الأبيض خلال العمليات العسكرية في سورية والعراق تحت عنوان “عناق التحرير” من التنظيم الإرهابي داعش، الذي أقام دولة “الخلافة الإسلامية”، فيهما، ماحياً حدود سايكس – بيكو بأقدامه وألغامه.

ويشهد “باولو بينيرو” رئيس لجنة التحقيق لمجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، إن الاتفاقيات العشر بين الحكومة السورية والجماعات المسلحة لاجلاء المدنيين والمسلحين من مناطق محاصرة في الرقة والموصل وشرق حلب إنما ترقى في بعض الحالات إلى جرائم حرب، مما يجعل عناق الأكراد في ساحات التحرير، إن في الرقة أو الموصل، “عناقاً في النار”.

الفوسفور

وكثيراً ما حذرت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، من تدهور وضع المدنيين النازحين من الرقة والموصل، وأنه أشبه بالرقص على مراسح النيران، وألسنة اللهب تشتعل في أذيال أثوابهم كما كان يؤديها الأجداد الكرد في تاريخهم القديم، إذ يقول تقرير المفوضية أنه “وسط القتال العنيف الدائر في مدينة الرقة وما حولها، تدعو المفوضية السامية لشؤون اللاجئين إلى تعزيز إمكانية الوصول المستدام لعشرات الآلاف من المدنيين الذين هم في أمس الحاجة إلى المساعدات الإنسانية، وإنقاذهم من نيران داعش ونيران التحالف الدولي على حدّ سواء.
ويتحدث المراقبون والمحققون التابعون للأمم المتحدة، عن أرض المعركة في الرقة والموصل، وعن منطقة الصراع بين داعش والتحالف الدولي وقسد، حيث تنتشر الألغام والذخائر غير المنفجرة، بحيث يعد إيصال المساعدات الإنسانية إلى أهالي الرقة والموصل، أمراً بغاية الصعوبة، كونها تتواجد في مناطق صحراوية شبه معزولة. وأن ما يدخل عبر الحدود التركية/ العراقية المغلقة في معظم الأحيان ليس إلاّ الجزء البسيط والنذر القليل من الدعم.
وتقوم الدولة التركية، بإغلاق المعابر الحدودية بينها وبين الأراضي والقرى والمدن التي يسيطر عليها الأكراد، في شمالي سورية وعلى الحدود مع الموصل، وإن يكن المعبر مع العراق والذي يبعد نحواً من 300 كلم شمال شرقي الرقة، لا يزال مفتوحاً، وذلك لأنه لا يشهد في العادة سوى الحركة البطيئة عليه، مما يجعل عناق الأكراد في سورية والعراق، أشبه بالعناق في الجحيم.
وفي مخيم في بلدة “عين عيسى”، على بعد خمسين كلم شمال الرقة، يتحدث المراقبون والمحققون الدوليون، عن أنه لم يعد هناك متسع للنازحين الأكراد الجدد، الهاربين من جحيم النيران العدوة والصديقة. فهم ينامون على الأرض، ويفترشون العراء ويلتحفون السماء، فلا خيام فوق رؤوسهم ولا أغطية على أبدانهم ولا طعام في قدورهم وقصعاتهم وجفناتهم إلاّ نفاضة جراب الإعانات الدولية والعربية.
ويروي “بول دونيهي” من “لجنة الانقاذ الدولية” أن الوضع الحربي يجعل أمن الأكراد غير مستقر في شكل كبير. وهذا بحد ذاته يعد مصدر قلق آخر للمنظمات الإنسانية في منطقة ما تبقى من أراضي الخلافة الإسلامية تحت حكم داعش وحرب التحرير الذي يقوده التحالف الدولي عليها. إذ هناك الكثير من الألغام والعبوات الناسفة، فضلاً عن أخطار كثيرة غير محسوبة بدقة، وهي أن تقوم داعش بشن هجمات مباغتة على الآمنين والمدنيين، لتوقع النساء والصبية في أسرها وتبيعهم سبايا، أو تسوقهم إلى جهاد النكاح بالقسر والإكراه.
وتذكر قيادية من “وحدة حماية المرأة الكردية”، أن الكثير من النساء الأزيديات، والكثير من الفتيان والصبية الأزيديين، الذين وقعوا في أيدي المتشددين، إما ذبحوا أو استعبدوا أو اغتصبوا، حين تم اجتياج شمال العراق وشمال سوريا، ومارسوا عليهم التطهير ضد الأقلية الأزيدية، ولا تزال أكثر من ثلاثة آلاف امرأة في أسر داعش. ويتحدث الناجون والناجيات، عن سوق للنساء والأسرى تحت الأرض، في الرقة، وهي سوق لبيعهم حيث يعرضونهم أمام عناصر التنظيم، وكل واحد يختار من يعجبه.
ويقول رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي إن التنظيم وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة في 4 كلم، يعمد إلى إيقاع أكبر تدمير ممكن بمناطق الموصل ويقوم يومياً بارتكاب المجازر بحق المدنيين الأبرياء. أما “الحشد” فهو يلحق الأذى بداعش ويستعيد منها نحو 983 قرية و16 ناحية و8 أقضية و7 مطارات و7 قواعد ومعسكرات في مساحة لا تقل عن 25 ألف كلم مربع تنتشر على الحدود مع الرقة، مما يزج بالمدنيين جميعاً في أتون النار، ويجعل عناق الأكراد بين سورية والعراق في ساحات الوغى، أشبه بعناق الملاحم.

(الأنباء)