القدس… صراع الهوية/ بقلم عامر زين الدين

IMG-20170817-WA0018

 لم يكن تقرير مؤسسة القدس الدولية “50 حقيقة صادمة” مفاجئاً في اوساط متتبعي السياسة الاسرائيلية لتهويد مدينة القدس المحتلة، اذ ان كل محاولات الاستفزاز والتضييق تندرج ضمن المخطط نفسه، مذ اتمّت احتلال شطرها الشرقي قبل 50 عاما، لتحقيق أخطر أنواع الاستعمار التي عرفتها البشرية في التاريخ المعاصر، لما يتضمن من مخالفات للقوانين والقرارات الدولية، وممارسة أشنع أنواع التهويد والتزوير. وإيضاحاً فان الاستهداف لم يعد يقتصر على المسلمين فحسب، وإنما يطال المسيحيين أيضاً. من خلال التضييق عليهم في الأعياد، والاعتداء على المقدسات المسيحيّة والكنائس، الامر الذي ادّى الى انخفاض عددهم في القدس بعد احتلالها الى 1 في المئة فقط من نسبة المقدسيين.

وتهويد المدينة و “أسرلتها” يتم على شتّى المستويات الدينية والثقافية والديموغرافية، تحت عنوان واحد “هيكل سليمان” المزعوم، مستغلين كل وسائل الضغط من حصار واقتحامات وحفر للأنفاق أسفل الأقصى ومحيطه، لتشييد المباني التهويديّة القريبة منه. وصولاً إلى هدم منازل الفلسطينيين، ومنح العطاءات الاستيطانيّة الضخمة لعزلها عن محيطها الفلسطيني وتغيير الهوية. ويكشف التقرير عن رصد ميزانيات ضخمة بهدف السيطرة على اوسع مساحة من الأرض، وطرد أكبر عدد من السكان، باعتبار الاستراتيجية الإسرائيلية قامت على 3 ركائز، طرد المقدسيين، وإحلال المستوطنين، وتغيير هوية المكان، لتصبح عاصمة للاحتلال. مقابل ارتفاع اعداد المستوطنين اليهود في الأحياء العربية بنسبة 40 في المئة، والبناء الاستيطاني شرقي القدس بنحو 39 في المئة، بموازاة الاستيلاء وقضم الأراضي ليتبقى للمقدسيين نحو 13 في المئة لاستعمالات البناء.

وعلاوة على ذلك فان جدار الفصل العنصري حقق للاحتلال أهدافاً عديدة أهمها، إخراجه لنحو 80-120 ألف مقدسي خارج حدود القدس، ومصادرة ما لا يقل عن 163 كم2 من الاراضي، بموازاة هدم 1396 منزلاً فلسطينياً بين عامي 2000 و2016، وإطلاق يد الجمعيات الاستيطانية للاستيلاء على المباني الفلسطينية، وتظهر نتائج ذلك من ارتفاع نسبة البطالة إلى 31 في المئة، ونسبة الأسر تحت خط الفقر الى نحو 76 في المئة.

القدس

وفي سياق الصراع القائم على الهوية خطى الاحتلال خطوة جديدة تمثلت بسحب بطاقات الهوية والإقامة من المقدسيين لتحقيق حلمها في التغيير الديموغرافي، بتقديمها ذرائع مختلفة واختلاق التهم لتبرير ملاحقة المستهدفين بالمشروع الجديد. اما بالقتل او الاعتقال او الإبعاد او السجن المنزلي، او منع السفر، واسفر ذلك عن سحب نحو 14500 بطاقة هوية لغاية العام الماضي.

هذا العامل الجديد الذي ادخله الاحتلال على مشروع التهويد ونزع الهوية الفلسطينية، لم يحدّ من الممارسات اليومية للاحتلال الهادفة بحسب التقرير إلى فرض السيادة على المسجد الأقصى، وتخصيص أوقات لاقتحامات اليهود، لا سيما خلال الأعياد اليهودية من كافة شرائح الاحتلال من مستوطنين وعناصر أمنية وطلبة وغيرهم، وما يرافق ذلك من اعتداءات على الحراس والمصلين لإبعادهم عنه، بعدما نجح الاحتلال بعزل مقوّمات ومكوّنات الدفاع عن المسجد، نتيجة حظر الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني، والرباط في الأقصى، تمهيداً لتقسيم المسجد زمانياً.

ولم يكن تكاتف عدة منظمات يهودية لاستهداف الأقصى، وعرقلة عمل دائرة الأوقاف الإسلامية، ومنع الترميم بالأقصى، وسن قوانين واستصدار قرارات قضائية لتعزيز سيادة الاحتلال عليه، وتغيير الوضع القائم ليأتي عن عبث، وانما لهدف إنشاء مدينة يهودية أسفل البلدة القديمة من القدس وفي محيطها، بعدما جرى ربط الحفريات تحت الأرض بعضها ببعض، وإقامة منشآت فيها بغرض الترويج للتاريخ كما يريده الاحتلال، وثمة أكثر من 63 حفرية حتى نهاية  2016 بحسب التقرير. علاوة على ذلك فأن قطاع التعليم في المدينة نال حصته من الاستهداف، من خلال إدخال مناهج اسرائيليّة محرّفة الى مدارس القدس.

انه واقع مأساوي وخطر جداً يعيشه المقدسيون حاليا، و “هبة الاقصى” الاخيرة التي يعتبرها البعض انتصارا فلسطينياً، قد تعطي الاحتلال دفعا اضافيا وليس العكس لتحقيق مشروعه الكبير، مما يوجب على الحركة الوطنية الفلسطينية توحيد مكوّناتها بمواجهة المشروع الاسرائيلي الموّحد.

(الأنباء)