مَنْ أَحقّ من فريد الأطرش بنيل جائزة نوبل للفنون

محمود الأحمدية

M.A

“الموسيقى أعلى من كل حكمة وفلسفة… ولغة الموسيقى أَسمى من لغة الكلام… فالموسيقى تجمع ولا تفرّق لأَنّها اللغة التي يفهمها كلّ الناس في كل زمان ومكان، أما لغة الكلام فقد تجمع أحياناً لكنها تفرّق في أكثر الأحيان”. (بيتهوڤن)
من خلال ما قاله أحد أشهر عباقرة الموسيقى بيتهوڤن يتبيّن لنا قدسية الفن ورقيّه ووصوله إلى مرتبة عالمية حيث تتوحّد اللغة عبر الموسيقى وتسمو المشاعر عبر الموسيقى ويرتقي الإنسان عبر الموسيقى…
بعيداً عن التنظير ومقاربة موضوعية لشروط نيل جائزة نوبل يتبيّن لنا أحقيّة الموسيقار فريد الأطرش بهذه الجائزة حتى بعد رحيله بـ 43 عاماً… يكفي تعداد البعض القليل من إنجازاته ببُعدها العالمي، تتجسّد حقيقة مذهلة بأنه أحق من الكثيرين في هذا العالم من الذين كان لهم شرف نيل هذه الجائزة الأرفع قيمة في العالم…
وبطريقة علمية عملية لإنجازات فريد تتعمّق ثقتنا بما نحن مؤمنون به ومناضلون من أجله مهما طال الزمن:
1- أرقى منبر ثقافي عالمي منظمة اليونسكو الدولية للثقافة والفنون، دعت العالم كلّه لتكريم ثلاث شخصيات فنية عالمية: فرانك سيناترا الأميركي، أديت بياف الفرنسية وفريد الأطرش العربي، وأطلقت على عام 2015 عام مئوية هؤلاء الثلاثة الكبار، ومن غريب الصدف أن تتكرّم أديت بياف الفرنسية في بيروت ولا أحد يفكّر بتكريم فريد الأطرش والبلد الوحيد الذي كرّمه كانت دولة البحرين بأمسية تاريخية في دار الأوبرا في المنامة وذلك عام 2015 بتشجيع من وزيرة الثقافة البحرينية.
2- بعد عام من رحيله عام 1975، قلّدت فرنسا الموسيقار فريد الأطرش وسام الخلود الفرنسي والوحيدان في العالم اللذان نالا هذا الوسام: بيتهوڤن وشوبان. وسبب هذا التكريم هو تأليف أول كونشيرتو منفرد على البيانو في العالم.
3- أثناء سطوع نجم الموجة الفرنسية الحديثة للأفلام السينمائية في الستينات والسبعينات والتي شكّلت منافسة حـادّة مع هوليـوود وقبـل أن تنطفئ مـن جديـد كان لفيلم (Un Homme et une Femme) نصيب الأسد مع جان لوي ترانتينيان.
ونافسه فيلم فرنسي آخر إسمه (Emmanuelle) وجاء في بدايته أن أغنية الفيلم تعود أصولها إلى أغنية “قلبي ومفتاحه” العربية لفريد الأطرش وغنّاها بيار باشلي بالفرنسية في أغنية حملت اسم الفيلم (Emmanuelle) وطول عرض الفيلم تشكل موسيقى هذه الأغنية طيفاً موسيقياً تصويرياً طيلة ساعتين وتحسّ أن روح فريد ترافقك في قلب القاعة، ومن روعة الصدف أن أربعة موسيقيين أوركستراليين كبار في ذلك العصر وكل عصر وبعض منهم ما يزال حياً قدموا هذه الأغنية بواسطة أوركسترا قوامها فوق الماية عازف وقاسمهم المشترك أغنية “قلبي ومفتاحه”…
أسماؤهم: الأميركي فرانسيس لي، الإيطالي فاوستو بابتي، الإيطالي هنري مانشيني، الفرنسي فرانك بورسيل. ويكفي أن تضع على اليوتيوب كلمة Emmanuelle وترفقها باسم أحد هؤلاء الموسيقيين وستتفاجأ بعملقة فريد الأطرش وعالميته.

فريد الاطرش
4- المجلة الفرنسية Stars Portraits قالت حرفياً “فريد الأطرش العربي ملحن فنان ومعجزة العود… عاصر عبد الوهاب، أم كلثوم، فيروز، عبد الحليم، وكان أهم اسم في عالم الموسيقى العربية في القرن العشرين… بأفلامه الـ 31 وبأغانيه الـ 350… لحّن للكبار وديع الصافي، وردة وصباح وأربعين مطرب ومطربة غيرهم… صوته العظيم المسكون بالشجن جعل الكثيرين من فناني الجيل الجديد يتأثرون به ويمشون على طريقه… أغانيه وبإعجاز تبقى حيّة خالدة حتى تاريخه” نعم هي شهادة تاريخية من مجلة فرنسية… إكليل غار على رأس الفن العالمي…
5- موقع Amazon للموسيقى في عدّة عواصم أوروبية يرصد الأغاني ومبيعاتها في أوروبا وسنتفاجأ بلائحة كاملة تتصدّر اللائحة كلها لفريد وأغنية واحدة لعبد الحليم… في الغرب المتمدّن فريد في الصدارة وفي شرقنا تصنيفات شخصانية تافهة بكل أسف وعقليات متحجّرة…
6- مجلة Aujourd’hui Magazine في عددها الصادر عام 2013 بتاريخ 13 شباط تقول عن عظمة وإمكانيات سفيرتنا إلى النجوم فيروز أنها بدأت امتحانها في الإذاعة الرسمية اللبنانية يوم كان اسمها نهاد حداد، بأغنيتين: “يا زهرة في خيالي” لفريد الأطرش و”يا ديرتي” لأسمهان من تلحين فريد الأطرش أيضاً، والمأساة أن كل المواضيع التي قاربت تلك المرحلة عتّمت على تلك المرحلة، مع العلم أن إذاعة لندن وفي مقابلة تاريخية مع فيروز تقول حرفياً: “عشت في ظل نغمين سحرا الشرق فريد وأخته أسمهان وعن أجمل أغنية لفريد معجبة بها: “يا قلبي يا مجروح””.
7- فريد الأطرش قام بثورة فنية حقيقية عندما أعطى للعود دوره الرئيسي في الفرقة الموسيقية وهذا ما دفع بالموسيقار الكبير مدحت عاصم أن يقول في عزف فريد: “هو أمين المهدي في حلاوته ورياض السنباطي في رقّته وفريد غصن في مقدرته، إنه عازف من طراز خاص جمع الحلاوة والقدرة والرقّة في ريشة واحدة”، هذا الأمر جعل كبار نقاد وأدباء ذلك الزمن يقولون عنه: “إذا كان زرياب قد أضاف الوتر الخامس لآلة العود قبل ألف ومايتي عام، فإن فريد الأطرش ردّ لتلك الآلة اعتبارها وأنزلها مكانة خاصة رئيسية في الفرق الموسيقية وأعطى الفرصة لها كي تعبّر بصدق عن دفقات الألم والفرح في النفس البشرية فكأنما أضاف بذلك وتراً سادساً يعلن للوهلة الأولى عن وجوده عندما تبدأ أصابعه بالتعامل مع الأوتار برشاقة وبأسلوب لا تخطؤه الأذن أو الجوارح.
من خلال هذا السرد الموجز لإبداعات فريد الأطرش على الصعيدين العربي والعالمي أردت إيصال رسالة إلى مسؤولي جائزة نوبل العالمية بالتفكير جدياً بذلك الذي أسعد الملايين وما يزال، جزءاً من فرح الناس، من قِيَم الناس، جزءاً من مشاعر الناس.

(*) رئيس منتدى أصدقاء فريد الأطرش

اقرأ أيضاً بقلم محمود الأحمدية

كمال جنبلاط البيئي: سابق لعصره

من كمال جنبلاط إلى الربيع الصامت إلى فرنسا

كمال جنبلاط البيئي سابق لعصره

كيف لوطن أن يشمخ وفيه كل هذا العهر في مسلسلاته

حرش بيروت تحت رحمة اليباس… والتاريخ لن يرحم

مواسم التفاح بين الحاضر والماضي… قصة عزّ وقهر!

مصنع الإسمنت في عين داره ونتائجه الكارثية على البيئة والإنسان

كمال جنبلاط البيئي  وثقافة المواطن الحر والشعب السعيد

أولمبياد الريو والحضارة وعرب ما قبل التاريخ

مصنع الإسمنت في عين دارة: جريمة بيئية موصوفة

هل أحسنت؟ هل أخطأت؟ لا أعرف!!

حكايتي مع كرة القدم وفريق ليستر الانكليزي الذي هز اعتى الامبراطوريات

شكراً مسيو هولاند… أعطيتنا درساً في الحضارة والأخلاق!

غسان سلامة و”اليونسكو” وزواريب السياسة اللبنانية!

أنا علماني ولكني لي ملاحظاتي!

الدلع السياسي … إن لم نقل أكثر!!

14 آذار: عيد بأية حال عدت يا عيد!

والدي والقيم والحلم المستحيل

16 آذار: فَقَدَ العالمُ معلّماً بحجمِ أُمّة!

التّقاليد المعروفية التاريخية ودورها الوطني الجامع