الربيع المغربي ولو متأخراً

د. قصي الحسين

K.H

في العام 2011، انطلقت موجة احتجاجات في المغرب، متأثرة بالربيع التونسي والربيع الليـبي والربيع اليمني والربيع المصري والربيع السوري، كادت أن تدخله في فصل الربيع أيضاً، فتلد بعد مخاضها فأراً جديداً يعرف بالربيع المغربي. غير أن جلالة الملك محمد السادس، سرعان ما انتبه بحسه الفطن للأمر، وسارع للمبادرة ببعض الاصلاحات الديمقراطية على الأرض، ومحا آثار الاحتجاجات ببعض اللمسات، فتبلسمت الجروح والخدوش في شوارع المدن المغربية كلها بسحر ساحر. وعادت الحياة إلى طبيعتها كالمعتاد، دون أن تتأثر بأجواء الربيع في الأقاليم المجاورة، وخصوصاً منها: المصري والليبي والتونسي.

وعاد المحتجون أنفسهم أو غيرهم لا فرق، للخروج منذ أشهر إلى الشوارع في منطقة الريف حول مدينة “الحسيمة” الشمالية للتعبير عن خيبة أملهم بما يتعلق بالمشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في المملكة، بعد مصرع بائع السمك محسن فكري، مستعيدة مأثرة “البوعزيزي” وعربة الخضار في تونس وإضاءة الشعلة للمحتجين الجدد، الذين يريدون أن يصنعوا الربيع العربيّ بأعينهم ولو متأخراً سبعة أعوام، في المملكة التي تروج لنفسها على أنها منارة الاستقرار في منطقة مضطربة.

وردّت السلطات المغربية هذه المرة بغير الاصلاحات الديمقراطية، بل بالاجراءات التعسفية، والتي كادت أن تلامس في كثير من الأحيان حدود البوليسية الوحشية، فاقتادت المئات من القيادات وأعضاء الحراك الشعبي، منذ نهاية أيار/ مايو 2017، وزجت بهم في الزنازين وأقبية السجون بانتظار مثولهم وامتثالهم للتحقيق والمحققين ومواجهتهم لزبانيتهم من المخبرين والمتسقطين وفلول العملاء الاستخباراتيين.

ومما زاد التأزم في البلاد، خروج عشرات الآلاف في شوارع العاصمة المغربية الرباط يوم الأحد 11/6/2017، في تظاهرة حاشدة، تضامناً مع معتقلي الاحتجاجات الأخيرة التي حصلت في شمال البلاد وخصوصاً مع حراك “الحسيمة” والريف الشمالي الأمازيغي، تقدمها والدا ناصر الزفزافي، وهو المعروف في  المغرب، بأنه القائد الميداني لحراك الريف.

فقد ظهر أحمد الزفزافي وزوجته في مقدمة المتظاهرين، وخلفهم وحولهم مئات المواطنين الذين حملوا لافتات كتب عليها لأول مرة: “عاش الشعب” و”كلنا الزفزافي”. وكان ناصر الزفزافي قد اعتقل في أواخر أيار/ مايو 2017، بعد أن اصدرت النيابة العامة أمراً باعتقاله بتهمة “عرقلة حرية العبادة والقاء خطاب تحريضي داخل السجن”. وهو يقبع في إحدى زنزانات الجناح المخصص للطلاب الجامعيين في سجن “عكاشة” المحلي في “عين السبع”.

كانت ساحة “باب الأحد” في العاصمة المغربية الرباط قد شكلت نقطة انطلاقة المسيرة التضامنية مع حراك الريف يوم الأحد. وهي ضاقت بالمحتجين قبل انطلاقها بساعة. وعلى غرار بدايات الربيع العربيّ في سورية وتونس، أتت المظاهرة بطابعها السلمي، كرست في رفع لافتات حملها المحتجون كتب عليها: “لسنا انفصاليين”. ولو أن المحتجين رددوا شعارات من قبيل: “هي كلمة واحدة، هاد دولة فاسدة” ومثل: “الشعب يريد اطلاق سراح المعتقل”/ ناصر الزفزافي. ومثل “لا للعسكرة” و”يا مخزي حذاري كلنا الزفزافي”.

وكان إقليم الحسيمة في شمال المغرب قد شهد منذ سبعة أشهر الاحتجاجات الشعبية الواسعة. وهي انطلقت بعد مصرع بائع السمك محسن فكري مطحوناً في حاوية للنفايات. واتخذت الاحتجاجات الشعبية بعد ذلك منعطفاً جديداً بعد حملة اعتقالات في صفوف الناشطين ومنهم القائد النقابي “ناصر الزفزافي”. واتخذ نشطاء حراك الريف من هاتين القضيتين شعاراً لحراكهم. وسرعان ما توسعت دعوتهم للمطالبة بسراح زملائهم، ووقف حملة الاعتقالات، والاسراع في التحقيقات لكشف ملابسات مصرع بائع السمك البائس محسن فكري، والاستجابة الفورية للمطالب الاقتصادية والاجتماعية التي يرفعونها، وبلغوا بذلك السقف، حين ناشدوا السلطات بمزيد من الحريات.

وكان الحراك الشعبي بدأ بعد مقتل بائع السمك محسن فكري في بلدة الحسيمة المطلة على البحر المتوسط في تشرين الأول/ اكتوبر 2017، إذ صادرت الشرطة المحلية السمك الذي قالت إنه اشتراه في شكل غير مشروع، وألقت به في شاحنة لتلف وطحن القمامة. فقفز فكري داخل الحاوية في مسعى يائس لاستعادة سمكه فمات سحقاً.

وغدا مصرع فكري رمزاً للحركة المغربية: أي إهدار الكرامة نتيجة استغلال السلطة، ورمزاً للفساد والظلم. ولا يزال مصرع فكري البائس يثير الغضب في الاحتجاجات الشعبية الأمازيغية، على الرغم من تعهد السلطات المغربية بإقامة مشاريع في “الحسيمة” ومنطقة الريف المغربي الأمازيغي. وهي شكلت بؤرة ساخنة للاضطرابات والاحتجاجات المناهضة للحكومة من جانب السكان الأمازيغ، حتى خلال شهر رمضان. وهي آخذة في الاتساع على ما يبدو، مما يجعل هذه المنطقة بؤرة أمنية، أمام الصيف المغربي الواعد بتوافد الأوروبيين، إلى طنجة وتطوان ومكناس، وقد امتدت إلى هذه المدن العريقة نيران الاحتجاجات. فهل الربيع المغربي متأخراً أو مستأنفاً حتماً أمام ألسنة الحريق! وأين مطفأة الملك وسلطانه على البلاد؟

 

 

* – أستاذ في الجامعة اللبنانية