المثقف العربي ومتلازمة ميدان تيانانمن

5
صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب بعنوان: “المثقف العربي ومتلازمة ميدان تيانانمن” للمؤلفين عمرو عثمان ومروة فكري.
هذا الكتاب مؤلف من فصلين اثنين. يناقش المؤلفان في الفصل الأول، عنوانه المثقف وهويته الفردية والمجتمعية، مجموعة تعريفات للمثقف باعتباره كيانًا مستقلًا وعضوًا في المجتمع في آن واحد، مع تأكيدهما أن أي تعريف للمثقف يتضمن إشكالية لا خلاص منها: المعرَّف نفسه هو من يقدم التعريف، وبالتالي يجب إخضاع المعرِّف للتحليل نفسه الذي أجراه لتعريف المثقف، “معنى ذلك صعوبة القيام بأي تعريف عن المثقف الفصل الواضح بين الذات والموضوع، الأمر الذي أدى ببعض الدارسين إلى النظر إلى إشكالية تعريف المثقف على أنها مشكلة بعد حداثية بامتياز”، كما يقولان.
يضيف عثمان وفكري: “يعتمد وضع المثقف ودوره في أي مجتمع على مجموعة كبيرة من العوامل، ربما من أهمها مقدار الطبقة المتعلمة المستهلكة للثقافة والمتفاعلة معها، أي يعتمد على عامل ربما لا يملك المثقف نفسه قدرًا كبيرًا من التأثير فيه؛ فمقدار هذه الطبقة هو ما يدفع المثقفين إلى الإنتاج، ويشجع دور النشر على تجويد عملية الطباعة والدعاية والتوزيع”.
كما يتناولان أيضًا علاقة المثقف بالتمرد، ففي الأدبيات المعيارية التي تتناول المثقف، هناك شبه إجماع على أن المثقف متمرد بطبيعته. أما في الواقع، فالمثقف ينزع إلى التمرد في ظل وجود تراث من التمرد في الثقافة التي ينتمي إليها، وينزع أيضًا إلى المحافظة. والحديث هنا ليس عن المثقف الذي يعتنق مجموعة أفكار محافظة بطبيعتها، بل المقصود هنا هو عندما يصبح للمثقف وضع ما في نظام معيّن.
في الفصل الثاني، وعنوانه المثقف العربي والديمقراطية، يسأل المؤلفان: هل المثقف العربي مُصاب بمتلازمة تيانانمِن؟ في مجال إجابتهما عن هذا السؤال، يقدمان عرضًا تاريخيًا لعلاقة المثقف العربي بالديمقراطية، ويذهبان إلى الزعم أن حديث أغلبية المثقفين العرب عن الحرية، لا الديمقراطية، “يمكن أن يكون محاولة من بعضهم للمراوغة والالتفاف حول دور الديمقراطية في تحقيق أهداف النهضة، ومنها الحرية”.
وفي علاقة المثقف العربي المعاصر بالديمقراطية، تناقش دراسة عثمان وفكري أدبيات بعض المثقفين العرب المعاصرين، وتعتمد على أسلوب تحليل مضمون عينة من مقالات بعض هؤلاء المثقفين بغرض استبيان ماهية القضايا ذات الصلة التي اهتموا بها وإحصائها. يقول المؤلفان: “يمكن القول إن المثقفين العرب بشكل عام يؤمنون بخصوصية وضعهم في المجتمع، وهي الخصوصية التي تبرر لديهم فرض وصايتهم الفكرية على الشعب، وإن تكن غير مبررة تاريخيًا وعمليًا (…) وإن المثقف يرتبط – في نظر بعض المتخصصين بما يسمى علم اجتماع المثقفين – بالنخبة الحاكمة التي تتكون من تحالف النخب السياسية والاقتصادية”.
وبحسب ما وجده المؤلفان في دراستهما، لا يهتم المثقفون العرب كثيرًا بإثبات استحقاقاتهم النخبوية بناء على إنجازات تاريخية في القرنين الماضيين. وإذا أشار بعضهم إلى التاريخ، نجد تعميمات يسهل دحضها. ولا يهتمون كثيرًا بمراجعة خطابهم في ضوء انطلاق شرارة الثورات العربية في مصر وتونس وليبيا واليمن وسورية من صفوف الجماهير، لا النخبة المثقفة. ونظرًا إلى قلة الاستثناءات، يمكن زعم فشل المثقفين العرب قبل الثورات العربية أو بعدها في نقد الذات أو تحقيق إنجازات تؤدي إلى تغيير ملموس ومؤثر في مجتمعاتهم.
في خاتمة الكتاب، يعلن المؤلفان أن عينة الأدبيات التي تناولاها في دراستهما تشير بقوة إلى إصابة المثقفين العرب بكثير من أعراض “متلازمة تيانانمِن”، وإن تفاوتت درجاتهم في ذلك؛ “فعلى الرغم من اختلاف السياق العربي عن السياق الصيني، نجد قواسم مشتركة كثيرة بين تصورات قادة حركة ميدان تيانانمِن في الصين في عام 1989 وتصورات المثقفين العرب خلال مئتي عام، وعلى نحو أخص المثقفين المعاصرين”. ووجد المؤلفان أن نظرة المثقفين العرب إلى أنفسهم نخبوية واضحة، وركزت أدبياتهم على أولوية تأسيس الحريات العامة، كحرية التعبير وغيرها، التي قد ترتبط بهم تحديدًا وليس بالأغلبية العظمى من طبقات الشعب التي لا يمكن أن تساهم بفاعلية في تحديد مصائرها إلا من خلال صندوق انتخاب نوابها وحكامها.
يقع الكتاب في 144 صفحة.