قاعة قطر

د. قصي الحسين

K.H

في رواية “اسم الوردة”، يتناول كاتبها الايطالي أومبرتو إيكو بعض الوقائع التاريخية، وهو يحلل عقل الكهنوت، لأجل استخراج العبر من وراء سيطرته على البشر. ويتوقف عند النقاشات التي دارت حول فكرة التطهر، وبيع صكوك الغفران، وانتشار الفساد الأخلاقي داخل الأديرة، وشن “الحرب المقدسة ضد رجال الدين المنحرفين”.

فقد وقعت جرائم قتل عدة داخل أحد الأديرة، فتم تكليف فوليالمو الفرنشسكاني للتحقيق فيها. وسرعان ما يكتشف المحقق، أن البلوى الأساسية هي في شخص رئيس الدير، الذي لم يبدِ أي تعاون للكشف عن هذه الجرائم والوصول إلى نتائج، تضع حداً نهائياً لوقوعها على أرض الدير وداخل غرفه المغلقة.

ويستدل المحقق على ذلك من منعه من دخول بعض القاعات، وخصوصاً قاعة إفريقيا في مكتبة الدير، إلاّ بحضور رئيس الدير شخصياً. وأخذت شكوك المحقق تتطور، بعد علمه بتعليمات رئيس الدير التي تمنع قراءة الكتب. فأخذ المحقق يجمع خيوط جرائم القتل، وإذا بها تدله على أن المقتولين والمغتالين ومن تدور حولهم الشبهات في الارتكاب والجريمة والقتل، إنما لهم علاقة ضليعة ومباشرة بقاعة إفريقيا في المكتبة، مثل المسؤول عن عملية تصنيف الكتب وعن عمليات تبويبها وترتيب وتدبير بطاقات الاستعارة، ورواد المكتبة أنفسهم الذين يترددون إلى المكتبة للقراءة، أو لسرقة بعض الكتب. وهذه الخيوط الأولية هي التي ساعدت المحقق على تركيز شكوكه حول رئيس الدير، لأنه منذ اليوم الأول نبهه هذا الأخير بعدم الاقتراب من المكتبة، ودفاعه عن بعض المشتبه فيهم، فكانت النتيجة أن عظمت شكوكه وقوي يقينه بعلاقة رئيس الدير بجميع جرائم القتل التي وقعت في الدير.

توشك المقاطعة الخليجية أن تقودنا إلى “قاعة قطر”، خصوصاً وأنها قد بلغت أسبوعها الثاني، وهي لا تزال تتصاعد، دون أن تظهر في الأفق أية بوادر حل.

فأهل الخليج المقاطعون لقطر، ماضون في المقاطعة السياسية والاقتصادية والحدودية، بعد إغلاق بوابة الاتصال الوحيدة بالبر السعودي، ومنه إلى بر العالم أجمع. والمحققون والإعلاميون والمشتغلون بعلم السياسة جميعاً، مستمرون بتتبع خيوط العلاقة القطرية، خلال جميع السنوات من الماضي القريب وحتى اليوم، بالمنظمات المتفلتة في العالم، والتي تقوم بالأعمال الإرهابية هنا وهناك، وتستقطب جميع الجماعات الخارجة عن القانون وتجعل لأفرادها رواتب ولأسيادها خزائن وحسابات مصرفية صريحة أو مموهة، وهي كانت ولا تزال تهدد الأمن والسلم في معظم دول الخليج وخارجها، دون أن يقف تفلتها عند حدّ، ودون أن يقع على إرهابها أي حساب.

وفي المؤتمر الأخير الذي حضّر له العاهل السعودي وحضره الرئيس الأميركي دونالد ترامي، كشفت في القمم الثلاث التي عقدت، وابرز الحاضرين فيها جلالة الملك سلمان بن عبد العزيز والرئيس ترامب، جميع الخطوط والخيوط التي تقود إلى “قاعة قطر”. وبينت المسائل والأمور والقضايا المطروحة للمساءلة والنقاش وأخذ الموقف وحسم الجدال والوصول إلى نتائج، أن قطر تقاوم وترفض وتساوم وتناور وتلاعب، ثم تجلس تترنح، وكأن الأمور ماضية على سياقها أو على عواهنها أو على قرونها. وأن الرمال الصحراوية تتسع لرأس النعام مهما كان كبيراً. بينما نرى الدول الخليجية، وعلى رأسها المملكة العربيّة السعودية، ماضية وفق خطوط وخيوط الجرائم الارهابية في العالم إلى “قاعة قطر”. ولذلك كنا نراها تقول بتفعيل الاستراتيجيات اللازمة، وبضرورة وقف الضخ المالي من داخل جدران “قاعة قطر” للإرهاب والارهابيين، وبضرورة وقف استدعاء تركيا وإيران وما بينهما إسرائيل إلى طاولة الحلول لشؤون الخليج الداخلية.

ويطالب أهل الخليج من “قاعة قطر”، أن تتوقف عن إيذاء جيرانها وأن تتحمل، على العكس من ذلك، المسؤولية الأخلاقية والعمليّة، عما يجري لسنوات طويلة، من أعمال إرهابية واستخباراتية، والانتظام في مجموعة القيم الخليجية المدافعة عن شرف الخليج كافة وعن حرم السيادية المطلوبة والمحفوظة لدوله وإماراته.

ويطالب أهل الخليج من “قاعة قطر”، بوقف الأعمال المشبوهة والانسحاب من الاتفاقيات الثنائية العسكرية التي وقعتها مع إيران وتركيا، والعودة إلى بيت الطاعة وعدم إدارة الشؤون الخليجية من “قاعة قطر” التي تنتهك اتفاق الدفاع المشترك لدول مجلس التعاون الخليجي والموقع بتاريخ 21 ديسمبر / كانون الأول العام 2000.

وإذ يطالب الخليجيون بالرقابة الدورية على القنوات المالية والإعلامية وترحيل أعضاء الجماعات الإرهابية من الفناء الخلفي لقاعة قطر، فإن قناة الجزيرة هي في طليعة القنوات التي تحركها قاعة قطر، ضد دول الخليج، كما يقولون، فهل هذا يدخل في نطاق المعقول. وهل “قاعة قطر” تقود إلى هذا كله وحده، ولا تقود إلى خيوط الجرائم التي صنعتها الاستخبارات العربيّة والعالمية والإسلامية كافة.

توسعوا في التحقيق أيها السادة، وستجدون حتماً أن كل استخبارات العالم كانت منذ زمان بعيد قد حجزت لها مقاعد وملفات وخطوط اتصالات وقاعات مكتبية لإفريقيا وآسيا وأوروبا وأميركا، وليس فقط لدول الخليج وحدها. “قاعة قطر” تقود  إلى ذلك وأكثر، توسعوا إذن في التحقيق، وستجدون أنفسكم جميعاً فيها، ولا تستعجلوا المقاطعة.

(*) أستاذ في الجامعة اللبنانية

اقرأ أيضاً بقلم د. قصي الحسين

خمسون عاماً على ضياعها: القدس الآن

ماي والشعبوية والبرج المحترق

قمم الحروب

على هامش قمة الرياض فلسفة الاستنـزاف العربي أميركياً

فرنسا وعقد التسوية

 المناظرة الانتخابية بالضوء

فساد الميثاق    

تحرير الموصل عقدة الارهاب الراحل والقادم

نعم لريما خلف وفلسطين الجريمة ماثلة

 بكائية البحر الميت

 مع تيمور جنبلاط تراث كمال جنبلاط في الحفظ والصون

جدوى “دراسات المستقبلات” أميركياً صناعة القرار

محمد حسنين هيكل عام على أيقونة الصحافة

ترامب وفوبيا المؤتمرات

الانتخابات النيابية فلسفة الوجبة الناقصة

خطاب الكراهية المقارن ترامب وعبد الناصر

آستانة وجنيف سورياً

عن الرئيس ترامب محاصراً

 كاسترو ثائراً وحاكماً مختلفاً

التسامح السياسي وآفاقه في لبنان