كمال جنبلاط البيئي سابق لعصره

محمود الأحمدية

M.A

في كتاب كمال جنبلاط أدب الحياة وبعنوان: “أدب الإنسان بالنسبة للطبيعة الخارجية” نظرة بيئية إستقرائية سابقة لعصرها وتبويب إبداعي يبدأ من صفحة 99 وينتهي في صفحة 116 ومن خلال ما يقارب 18 صفحة تختصر أخطار التعدّي على البيئة ومن ثمّ على كوكبنا، وتبدي إهتماماً خاصاً بكتاب “الربيع الصامت” للكاتبة الأميركية راشيل كارسون وتأثيره بالبُعدين الأميركي والعالمي وتنبيهه لمخاطر الكيماويات على الطبيعة وتدميرها لكل أسس الحياة وتعدّد أسباب ونوعيات التلوث بكل تفاصيله وتشعباته وتختصر أقوال كبار العلماء وتحذيراتهم للبشرية جمعاء عن مخاطر التعدي الإنساني على البيئة.

هي رحلة متنورة راقية مع فكر كمال جنبلاط البيئي. ومن باب إغناء ثقافة القرّاء الكرام البيئية والمحافظة على الأساس وعلى الصفحات كما كتبها كمال جنبلاط أحببت أن أبوّب هذه التفاصيل كما جاءت بحذافيرها في الكتاب.

1- فلسفة التوازن البيئي وتأثير تدخل الإنسان فيها:
يقول المعلم في صفحة 99: “كان على الإنسان المعاصر وعلى كل إنسان أن يحترم هذه النظم البيئية وهذه السنن في تكوين كل حركة وكل حياة من تفاعل الأضداد، لا أن يسعى إلى إهمال نشاطها الصامت، وأن يحاول هدمها وتقويضها، أو أن يباشر بواسطة صناعته وأدويته الزراعية السامة مثلاً، بإبادة الضدّ الذي يقابله ضدّ يحدّ من انتشاره في البيئة المحيطة بالإنسان”…

ويضيف المعلم: “مثل بسيط على ذلك يعطيه العالم الأستاذ هاريسون براون الذي يقول: “إبن آوى أي الثعلب يعيش في غذائه على افتراس الأرانب… والأرنب بدوره يعيش على العشب النابت بشكل طبيعي في السهول والجبال… فإذا كثر العشب في بعض السنين إزداد تلقائياً عدد الأرانب، الأمر الذي ينجم عنه تكاثر الثعالب… الحلقة هي كاملة إذاً بين العناصر الثلاثة: العشب والأرانب والثعالب…

وهذه الحلقة تؤدي إلى توازن ما في الطبيعة يجعل الأرانب لا تأكل كل العشب الناتب وتترك لغيرها من الحيوانات مجالاً للعيش… فإذا تدخل الإنسان في شكل من الأشكال الطاغية ليهلك عنصراً من هذه العناصر، أي الثعلب مثلاً الذي هو نسبياً الضد الطبيعي للأرانب، نجم عن ذلك تكاثر غير طبيعي للأرانب فيستفحل ضررها على المزروعات التي يستنبتها الإنسان في الأرض”.

2- تأثير المعلم بكتاب “الربيع الصامت”:
هذا المؤلف الذي كتبته الأميركية راشيل كارسون والذي سبّب ثورة بيئية أميركية وكونية وأجبر الرئيس نكسون على تشكيل لجنة على مستوى الولايات المتحدة الأميركية لدراسة هذا الكتاب وكيفية تحسين الشروط البيئية في البلاد.
ويقول المعلم: “حاولت راشيل كارسون أن تثير الرأي العام الواعي، وأن تظهر بوضوح الخطر الناجم، على الطبيعة وعلى الإنسان، من إستخدام الأدوية السامة المبيدة للحشرات، لأنه خطر على كينونة الحياة ذاتها على وجه الأرض، وذلك بالإخلال عمداً بالنظام الدقيق والتوازن الأدقّ الذي نسجته الطبيعة لذاتها ولبقاء الحياة من خلال فعل التطور وعبر المليارات من السنين المنصرمة ويجب أن لا ننسى أن الحياة هي وليدة توازن وتناقض معين، وتناسق متكامل في الوحدة، بين عناصر كثيرة مختلفة خرجت من توازنها وتناقضها هذه الحركة التي نسمّيها الحياة”.

المعلم كمال جنبلاط

3- “تدخل الإنسان في أنظمة الطبيعة وإفسادها”…
ويقول المعلّم: “إنه إفراغ النفايات الصناعية والسوائل الكيميائية في الأنهر، في البحيرات، في البحار، بما في ذلك كميات هائلة من النفط والزفت الناجمين بشكل خاص عن عمليات حفر واستثمار الآبار في مياه الشواطئ وغسل ناقلات النفط لمستودعاتهم في وسط البحر… ويقدرون أن كمية النفط السنوية التي تلوث مياه البحر والأسماك، والحشائش والكائنات الصغيرة التي تتغذّى منها الأسماك وحيوانات البحر، فيما عدا تلوث الشواطئ، بثلاثة ملايين من الأطنان سنوياً، وسيرتفع هذا الهدر الملوث إلى عشرة ملايين وفق ما يرقبون في السنين القليلة المقبلة عليها. وتلوّث الانهار والبحيرات والبحار بهذا الشكل المتواصل يهدّد بتحويل الأنهر والبحيرات والبحار ذاتها إلى أنهر وبحيرات ميتة، لا يقطنها شيء، كما حدث فعلاً لبعض الأنهر والبحيرات في أوروبا والولايات المتحدة”.

ويستطرد المعلم قائلاً: “يجمع فريق كبير من العلماء الذين اجتمعوا في الولايات المتحدة أخيراً أنه إذا استمر هذا التصاعد في تلويث الأجواء والأنهار والبحيرات والبحار، فإن الأرض الحاملة للطاقة الحيّة وكذلك الإنسان لم يعد أمامهما سوى ثلاثين سنة من الوجود وإن كوكبنا بأسره مهدّد على الأقل إلى فترة طويلة بأن يتحوّل إلى كوكب ميت”.

4- النفايات وأنواعها ومصادرها:
في الصفحة 107 يجمع المعلّم كافة الملوّثات ومصادرها ويبوّبها بطريقة علمية مدروسة وقريبة لأرض الواقع وكأننا نتحدّث عنها في أيامنا هذه. يقول المعلم: “مصادر تسمّم الطبيعة والإنسان ستصبح شاملة وهي التالية:

I – دخان المصانع والمعامل والغازات المنبعثة من مداخنها في الهواء.

II – الدخان والغازات المنبعثة من السيارات المتنقلة… وهذه الغازات تبعث بأجواء المدن وعدد من القرى، وتجعلها غير صالحة للتنفس البشري وبامتزاجها بالهواء وببخار الماء، تشكل غيوماً حقيقية تحبس الأوكسيجين عن الإنسان، وتسهم في تجريح رئتيه وإفساد دمه.

III – السوائل المعدنية والنفايات الناجمة عن عمل المصانع والتي تفرغ في الأنهر والبحيرات وهي يحتوي على بعض المعادن الثقيلة الحاملة عناصراً كيميائية تقتل الأسماك والحيوان البحري.

IV – الأدوية الزراعية

5- النفايات الذرية، فإنها آخذة بالتكاثر إلى درجة أنهم يفكرونه جدّياً بوضعها في صواريخ خاصة وبإرسالها إلى محيط الشمس تجنباً لتلويث الأرض بها.

6- إستعمال الأسمدة الكيميائية التي تهدم التربة.

7- إفراغ نفايات الإنسان في المجارير ومن ثمّ في البحر.

8- النفايات المصطنعة الاستهلاكية لخدمة الإنسان.

9- التلوّث الناجم في الفضاء عن الطائرات النفاثة وتزيد الفضاء بمختلف الغازات الشديدة السّمّية.

10- التلوث البصري والتلوث السمعي والتلويث اللاحق بجميع الحواس.

أردته موجزاً لما كتب المعلم في أدب الحياة عن البيئة والطبيعة وكتب في أدبياته الكثيرة عن البيئة في مختلف المواضيع والطبيعة كانت بالنسبة إلى المعلم ملجأ الإنسان الأول والأخير، وملاذه الرائع..

وكم من مرّة تحدث بشغف غريب عن حبّه للطبيعة ولكل المخلوقات التي تؤلف فيها جوقة وأوركسترا طبيعية تسحر الإنسان وتدخل البهجة والفرح والسرور إلى نفسيته…

طوبى لكمال جنبلاط البيئي… طوبى لدراساته السابقة لعصره… نهلنا كثيراً من إبداعاته وننهل دائماً منها.

*رئيس جمعية طبيعة بلا حدود

(الأنبـاء)

اقرأ أيضاً بقلم محمود الأحمدية

من كمال جنبلاط إلى الربيع الصامت إلى فرنسا

مَنْ أَحقّ من فريد الأطرش بنيل جائزة نوبل للفنون

كيف لوطن أن يشمخ وفيه كل هذا العهر في مسلسلاته

حرش بيروت تحت رحمة اليباس… والتاريخ لن يرحم

مواسم التفاح بين الحاضر والماضي… قصة عزّ وقهر!

مصنع الإسمنت في عين داره ونتائجه الكارثية على البيئة والإنسان

كمال جنبلاط البيئي  وثقافة المواطن الحر والشعب السعيد

أولمبياد الريو والحضارة وعرب ما قبل التاريخ

مصنع الإسمنت في عين دارة: جريمة بيئية موصوفة

هل أحسنت؟ هل أخطأت؟ لا أعرف!!

حكايتي مع كرة القدم وفريق ليستر الانكليزي الذي هز اعتى الامبراطوريات

شكراً مسيو هولاند… أعطيتنا درساً في الحضارة والأخلاق!

غسان سلامة و”اليونسكو” وزواريب السياسة اللبنانية!

أنا علماني ولكني لي ملاحظاتي!

الدلع السياسي … إن لم نقل أكثر!!

14 آذار: عيد بأية حال عدت يا عيد!

والدي والقيم والحلم المستحيل

16 آذار: فَقَدَ العالمُ معلّماً بحجمِ أُمّة!

التّقاليد المعروفية التاريخية ودورها الوطني الجامع

سعد الحريري: الخطاب المفصليّ.. ولبننة انتخاب رئاسة الجمهورية