قراءة في كتاب “العقل لا الغرائز، الوطن لا الطوائف” للدكتور محمد شيا

بقلم الدكتورة بتول يحفوفي

كتاب محمد شيا

أعرف د. شيا منذ منتصف الثمانينيات من القرن الماضي.

أعرفه زميلاً في كلية الآداب/ الجامعة اللبنانية/ في البقاع، زميلاً متأنقاً متألقاً بحركة واثقة تعلو وجهه ابتسامة عريضة، ابتسامة فلسفية ملتبسة يصعب تفسيرها، ليست بالفرح ولا بالحزن بل هي أقرب إلى متسائل يحدوه أمل بالتوصّل إلى إجابة.

عرفت د. شيا أكاديمي منتظم ومجتهد، ومؤلف وكاتب ومفكّر عميق التحليل، من خلال كتاباته بالأدب والفلسفة والاجتماع والسياسة ومناهج التفكير وقواعد، ولكن هذه المعرفة العامة لم تكن تسمح لي وللكثير من أمثالي التعرف إلى انتماءات بعضنا البعض السياسة في ذلك الوقت.

فالحياة الجامعية في حينها كانت تتسم بحساسية عالية تقارب حدّ الانفجار، لذا كنا نحاذر الغوص في الهويات السياسية تحديداً والأغلب أن الأساتذة كانوا يكتفون – بمعرفة بعضهم من خلال الأسماء – والمناطق تاركين لأفكارهم مجالاً واسعاً لتصنيفات مكتوبة وخرساء – هي بمعنى ما محاولة تجسّس صامتة على الهويات لا تجرؤ على الاجهار بها.

فالحرب ما زالت مستعرة على الأبواب وفي الشوارع والمحاور والمناطق ومن السهولة بمكان تتسرّب النار إلى داخل الحرم الجامعي- لكن جيلنا كان يتمتع بالكثير من القيم الأخلاقية والممارسات الديموقراطية التي تعترف بالاختلاف وقبول الآخر وهي قيم راقية رسمت ممارسات وسلوكيات قسم الفلسفة تحديداً في البقاع لسنوات عدة وإن بدأت بالاستنزاف مؤخراً.

????????????????????????????????????

ومع الأيام وتدرج الزميل شيا في مناصب إدارية وأكاديمية تباعدت المسافات والاجتماعات وندر اللقاء ولم تسنح الظروف إلى التعرف بعمق إلى نتاجه الفكري السياسي.

هو حظ عاثر بالنسبة لي وأنا الباحثة والناشطة المدنية وفي صلب اهتماماتي العمل على البعد التطبيقي للديموقراطية- للحرية- للحقوق/ للمواطنة، للإصلاح… أن لا أتمكن من التعرف إلى البعدين النظري والعملي لهذه المفاهيم في فكر د. محمد شيا.

وإن كنت أشعر بالحاجة الماسة إليه وأبحث عن دور الجامعة والأساتذة الجامعيين في الإجابة عنه.

هو حظ عاثر أو سوء تدبر في نهج التعلم والتعليم.

فنحن في الجامعات وخاصة الجامعة اللبنانية وفي ذلك الزمان (وإن اختلف الوضع حالياً وكثرت المؤتمرات) قليلاً ما كنا نتذاكر أفكارنا وآرائنا أو نتواصل على اجتماعات مشتركة في البحوث السياسية والاجتماعية، وكأن هذه الأفكار قد وضعت لأجيال أخرى وليس لنا. إضافة إلى ميل عندنا إننا نحب المباحثة والبحث في الكتب القديمة ذات الأوراق الصفراء، نشعر بالحكمة في ثناياها أو الكتب الغربية نشعر بالرهبة والهيبة تجاهها وهو منهج للتعليم والتعليم يتطلب إعادة النظر فيه.

أذكر ذلك لا على سبيل النقد فقط بل لأؤكد أن هذا المنهج كان يعطّل إلى حدّ بعيد التفاعل بين المهتمين بالأحداث والمجريات اليومية كما يعطل التفاعل مع آراء الاقران ونقدها وقبولها أو الاعتراف بمجانستها للواقع وامكانية تطويرها أو تطوير الواقع من خلالها.

وغياب منهج التمدرس أو المذاكرة كما هو الحال في الجامعات العريقة والحوذات العلمية يعطل الحسّ النقدي والتحليلي ويبطل التقدم أو التطور في الأفكار والاراء والابحاث.

أعترف هنا أن منهجية العمل هذه وقفت حاجزاً أو مانعاً للتعرف على فكر الدكتور شيا والوقوف على آرائه ببعدها النظري والتطبيقي العملي، والذي كنّا بأمسّ الحاجة إليه كناشطين مدنيين ومدافعين عن حقوق الإنسان ومطالبين ببناء الدولة المدنية ودولة  المواطنة.

وربما تقع المسؤولية أيضاً على الفجوة الكبيرة والدور الذي يلعبه الأستاذ الجامعي أو المفكر أو المنظّر حيث يكتفي بالشرح والتعليق داخل جدران صفّه ويغادر باستعلاء إلى عالمه الخاص في ظلّ أكثر الأحداث حرجاً والمصائب المحيطة بالواقع الوطني والاقليمي. إنشاء الله يكون لنا حديث آخر وندوة أخرى (حول علاقة المفكر والمثقف بمحيطه).

وأيضاً حول مناهج التعليم ودورها في الإجابة على التساؤلات الراهنة وهموم المعاش اليومي.

لكني اليوم وجدت ضالتي واكتشفت خلال قراءتي لهذا الكتاب مفكراً منتمياً ومحللاً أكاديمياً.

نعم مع كتاب “العقل لا الغرائز – الوطن لا الطوائف” يجد القارئ ضالته في الإجابة على كثير من التساؤلات. لقد وجدت في الكتاب الكثير من الآراء والسبل الواقعية تساعد في الدفاع عن العقل وعن الديموقراطية وعن الوطن.

انها بداية حسنة لسائر في صحراء قاحلة حظى اخيراً بعين ماء.

أجل بهذا الشعور قرأت الكتاب، وأنا اعترف انني وفي فترات عدة شعرت بالخجل من نفسي وأنا انظر إلى تواريخ بعض المقالات المتعددة التي تعود إلى ما قبل عقدين من الزمن إلى فترة الطائف وانتهاء الحرب وما بعده ومحاولات بناء الدولة أو محاولات التغير في ربيع 2005 (ص 86) الذي ضجّت به بيروت الربيع الذي لم يتحقق، وأثر ذلك في الحياة السياسية اللبنانية وحالة اليأس أو الانتظار لقطار آخر ومحطة أخرى (ص: 86) انتظار الشباب أو الشعب برمّته.

بيروت

وبرأي د. شيا أن فشل محاولة التغير في ربيع بيروت قد أسست وساعدت على تجذر الفساد والتخلف والجمود (ص 86).

لذا فإن الدكتور شيا، يحاول وبصفحات عديدة من التحليل الموضوعي لأزمة النظام الطائفي، يعتبر أن الانتظار أو مساعي التغيير من أي جهة أتت (89) لن تأتي بنتيجة ما لم يكن لها وبوضوح كلي ومن دون مواربة هدف مباشر هو التخلص النهائي من الأسس والمكونات الطائفية لهذا النظام (ص 89) معتبراً أن ذلك هو تحدي الحياة وتحدي المستقبل أمام اللبناني وطناً ومواطنين.

والنظام الطائفي بنظره والذي هو عصب النظام السياسي فشل في إقامة ما يمكن تسميته بالشأن العام مثل:

– اقامة مجتمع متماسك موحد.

– بلورة قيم وطنية جامعة.

– تقديم دولة عقلانية- دولة حديثة (ص 54-55)

– كما فشل في بناء مواطن مدني وليس رقماً في جماعة.

– فشل في بناء المواطنة.

وأيضاً فشل في تشكيل فضاء داخلي رحب متسامح يشجع على الحوار الخلاق.

وفشل أيضاً إطلاق عجلة اقتصاد حقيقي يستوعب طموحات الأجيال الشابة فلا يهاجرون غير أسفي (ص: 54-55).

والدكتور شيا يعرف تماماً أسباب فشل هذا النظام وهذه الدولة وممانعة كل تغير وتأخيره لكنه يتحاشى أو يحاذر عن قصد التعمق في أبحاث مستقلة للإجابة، ويركن أحياناً إلى أجوبة احتمالية أو فرضية أو مركبة (حسب قوله) بقدر تركيب وتعقيد (الأسئلة)، وهو في أكثر (ص 55) من مكان يحاذر تقدم الوصفات الجاهزة لكيفية التخلص من الطائفية السياسية في نظام شديد الحساسية لأن الدكتور شيا يعتقد أن وظيفة المفكر أو الفيلسوف ليست تقديم الاجوبة (ص 131) وإنما تحديد نقد الشائع واثارة الأسئلة والبحث عن أجوبة متعددة لها. ثم الحوار بين الاجوبة من مناخ من الحرية واحترام الآخر وطلب الحقيقة لا الاضاليل أو الايديولوجيا.

كهذا يطرح في الصفحات التالية 132-133 برنامجاً اصلاحياً يسأل يه هل من حلّ؟ وهل من بصيص أمل؟

وبحذر العارف والمتمكن وصعوبة الموضوع يعتبر أن كل مقاربة جادة لالغاء طائفية النظام السياسي يجب أن تتجنب احياناً شيئاً ما وأخرى أن تعمل أو تسعى لتحقيق أشياء أخرى. فلهذه القضية بعدان (ص 132) بُعد سلبي أو ما يجب تجنبه (الابتعاد عنه) أي أن لا يكون هدفها نقل الغلبة الطائفية من ضفة إلى ضفة أو طائفة إلى أخرى.

أن لا تكون فئوية كأن تتبنى المسألة، طائفة أو اثنان بل أن يكون بمشاركة واقتناع جميع الطوائف.

أن تتجنب الخلط بين الطائفي والديني مع توفر الاحترام والتوفير لحقّ الجماعات الدينية في الاعتقاد والممارسة وبعيداً عن الخوف.

أن لا تكلّف الطائفيين بتصدّر هيئات إلغاء الطائفية.

وأخيراً أن تفصل بين السعي لالغاء الطائفية السياسية والاتجاهات الإقليمية السائدة من تعصّب وتطرّف ديني.

أما البعد الايجابي أو ما يسميه بالمرّات الآمنة (132):

  • توخّي الاجماع.
  • توفير ضمانات دستورية واستبعاد أية محاولة لزعزعة الوحدة الوطنية والميثاق الوطني (ص 133).
  • ربط إلغاء الطائفية السياسية بخطة إصلاح اداري (الفساد والطائفية توأمان).
  • إصلاح اداري (بخطة إصلاح تربوي)
  • اجتثاث جذور التربية على الطائفية في مراحل التعلم الأساسي.
  • ربط إلغاء الطائفية السياسية بتعزيز التعليم العام والجامعة اللبنانية وأبعادهما عن أية حسابات فئوية.
  • ربط إلغاء الطائفية السياسية بخطة تنموية اقتصادية من الدولة تشمل المناطق الطرفية وأيضاً احتياجات الشباب.
  • تعميم التربية على المواطنية واعطاء المجتمع المدني دوره الفعلي (ص 133).

هي تلك افكار المفكر الإصلاحي محمد شيا.

وهو لا يتوقف هنا بل يبحث في فصول أخرى أو مقالات أخرى (كنت أتمنى أن يقوم الكاتب بإعادة ترتيب الفصول أو المقالات بطريقة تجعل هناك تدرجاً في الأفكار والآراء)!

يبحث د. شيا عن التناقضات المؤسسة للديموقراطية اللبنانية أو ما يعرف بالديموقراطية التوافقية أو المتناقضة كما يعلق عليها (ص 70-71-78) وبرأيه ومن خلال تحليله يرى أن سمات أساسية للتطور السياسي للمجتمع اللبناني القائم على قدر كبير من الحريات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ميزت علاقات المجتمع اللبناني منذ ستينيات القرن التاسع عشر ورسخت الاتجاه الليبرالي الرأسمالي بمعناه الواسع (ص 71)

فحريات العمل والتملك والمبادرة والسفر والتنقل وانتقال العمالة ورأس المال  وتحويله تكاد تكون كاملة ولا ينقصها أي عائق دستوري أو قانون بل هي محمية بالنصوص ولا تخضع للضرائب بالحد الأدنى.

هذه السمات التي تراكمت من قرن ونصف ساعدت في تأسيس ونشوء ما يسمى الديموقراطية اللبنانية. لكن د. شيا يرى أن الحريات الفردية لا تكفي لأن تتحول إلى ديموقراطية حقيقية وبرأيه أن هذه الديموقراطية هي ديموقراطية متناقضة.

وبالتالي هو يشير إلى عدد من التحفظات على ممارسة هذه الديموقراطية، وبرأيه أن حريات التفكير والتعبير على أهميتها والانتخابات وكل الممارسات لا بدّ أن تستند إلى مبادئ عديدة أهمها:

  • مبدأ العقل.
  • مبدأ طلب الخير.
  • مبدأ المصلحة العامة.
  • مبدأ المشاركة (وعدم اقصاء الآخر – المختلف).
  • مبدأ التصرف على نحو سلمي وغير

وهذه المبادئ تشكل شروط ممارسة الديموقراطية.

أما ممارسة ما يسمى بالديموقراطية اللبنانية التوافقية أو المتناقضة فإنه يساهم في ارساء جوانب سلبية منها، تغيب الدولة أو تحجيم دورها إلى الحد الأدنى ويعتبر أن التوافق الضمني، على عدم لزوم الدولة، بين الليبرالية الاقتصادية والتقليد السياسي الطائفي يساعد على تغييب الدولة وبرأي د. شيا أن مصالح البرجوازية المالية في لبنان تتعاكس مع مصالح الدولة عكس البراجوازية الأوروبية التي رفعت شعار الدولة أثناء صعودها الاقتصادي (ص 75).

أضف إلى ذلك مخاطر ومظاهر العنف الأهلي المتكرر وإعادة إنتاج الحضور القوي للطوائف في الحياة السياسية والثقافية والتربوية فضلاً عن المحاصصة في توزيع منافع الشأن العام والمغانم (ص 77).

(الأنباء)