الأنترنت… وحماية الأسرة

عامر زين الدين

الشيخ عامر

يعيش الإعلام اليوم واقعاً استثنائياً وصراعاً مريراً بين ما هو تقليدي وبين الجديد، والتقليدي ربما حاله حال بلدنا، يلفظ انفاسه الاخيرة، في غياب ما يعرف بالنخبة الموّجهة، وتقاعد القادة الإعلاميين، وتحوّل بعضه الى طائفي وعائلي واحياناً حربي، والسبب في ذلك يعود الى فشل اندماجه في الاعلام الجديد الذي تحول الى جزء من ثورة المعلومات التي يعيشها العالم راهناً كأحد أهم مراحل التطور التاريخي الكبرى في تاريخ الإنسانية.

ورُب سائل، في ظل هذا الازدحام والضوضاء التي تحيط بالإنسان المعاصر، ماذا نتوقع لمجال الإعلام الجديد بعد خمس سنوات؟ الجواب، لا ندري! كيف سيجد الإنسان الطمأنينة والهدوء والاستقرار النفسي؟ ايضاً لا ندري!. جُلّ ما نعرفه ان الاعلام الهادف المترابط تربوياً واخلاقياً واجتماعياً، في إكساب المفاهيم العلمية والقيم والعادات والتقاليد والاعراف الذي يقينا من الغزو الثقافي الهدّام غير موجود. اعلام يدعو الشباب صراحة الى الانحراف والابتذال.

والمشكلة برأينا تطال ايضاً الكتاب، اذ ان الإحصاءات الخاصة بمعدلات القراءة في الوطن العربي، تعطي مؤشراً خطيراً عن حجم تدهور الواقع الثقافي، بدليل تقرير التنمية البشرية الصادر عن “مؤسسة الفكر العربي” الذي يشير إلى أن العربي يقرأ بمعدل 6 دقائق فقط سنوياً، بينما يقرأ الأوروبي بمعدّل مئتي ساعة. والسبب مواقع التواصل الاجتماعي، التي يقضي المواطن العربي فيها وقتاً أطول بدلاً من قراءة الكتب، الامر الذي سبب هذا التدهور الثقافي، والتفكك الاجتماعي والأسري. وبحسب الاحصاءات ايضاً فإن نحو 40 في المئة من اسباب ظاهرة الطلاق المتزايدة في المجتمعات عامة تعود الى شبكات التواصل الاجتماعي.

kitab_2

اردت الاشارة الى موضوعي الاعلام والكتاب كعاملين اساسيين من شأنهما صون قيمنا الاساسية، في ما لو كانا بأحسن الاحوال. وقبل دخول الاهداف السلبية في منظومة الاعلام الحديث الذي يغيّر كل يوم من ملامح حياتنا، ومحاربته تحديداً للدين والتديّن والإيمان، باسم الحرية والانفتاح والحوار الثقافي، وتوهين المعتقدات والمقدّسات، والترويج للعقائد الباطلة والمنحرفة والأفكار الهدّامة والدعوات الخبيثة، والضلال الفكري على الشباب.

وفي هذا السياق، اعطي مثالاً لفيديو تناقلته وسائل التواصل الاجتماعي مؤخراً وتضمن ما قيل انه تحليل لعيّنات DNA وجدت في كفن السيد المسيح عليه السلام وعلى ان له صلة بالموحدين الدروز. طبعاً إنه لشرف كبير ان تُنسب أمة التوحيد الى رسول المحبة والسلام، ولكن في الحقيقة كلها سياسات تضليل تهدف الى ضرب العقائد وسلخ الطوائف عن اصولها، وقد شاهدنا قبلاً فيلماً حمل اساءات للنبي محمد عليه الصلاة والسلام. وأخلص في هذا المجال للقول، بأننا نعيش في زمن مخيف، وسط بيئة عالمية حوّلتها الثورات العلمية المتلاحقة الى قرية صغيرة تتخطى حواجز الزمان والمكان، وفيها كل عناصر التشويق والاثارة والخدمات التفاعلية المتنوعة والمعلومات… بيئة بلا رقابة، بلا قيود.

اما السؤال المطروح اليوم، هو كيف نحمي أسرتنا من مخاطر الانترنت؟

نحن كطائفة الموحدين الدروز منذ البدء رفع قادتنا وزعمائنا ومفكرينا وعلمائنا ومشايخنا سلاح العلم والمعرفة والثقافة، بمواجهة كل اشكال الجهل والتخلف والتطرف، ويقيننا انه السلاح الأمضى اليوم بوجه كل ما يؤثر على قيمنا وتاريخنا وتراثنا، وفقا للقاعدة المعروفة بأن تراثُ أيِّ أمَّة هو تاريخُها وكيانها. ولذا، وجب المحافظة بما يصون الكيان والهُويَّة والخُصوصيَّة التي منحتْنا وجودَنا، وتشجيع المبدعين على ما يجمع ويفعّل الاهتمام بالعلم وبالقيم الاسلامية السامية. ومن هنا من حاصبيا ركن التوحيد والعلم والايمان نحيي ابنتي الجبل اللتان احتلتا المرتبتين الاولتين على مستوى لبنان في شهادتي البروفيه وعلوم الحياة، هكذا نحن وهكذا سنستمر، واضعين نصب اهدافنا واعمالنا بعمق، لتعزيز انسانية وكرامة الانسان، من اجل التأسيس الى مرحلة ثقافية مستقبلية ترتكز على الفكر والعقل وحماية الكتاب، و”إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً”.

صحيح بأننا نقف فوق رماد التاريخ، لكن بإستطاعة عيوننا أن ترى زنابق الحقل، فلنتطلع ايجاباً الى التطور المعلوماتي الحاصل وهو الناجح والمؤثر والفعّال، فنجيد استخدام أدواته، بما يُعلي القيم والمبادئ والأخلاق للشباب، ويعزز من شخصيتهم، ويرفع من معنوياتهم لزيادة الثقة لديهم بأنفسهم، وإيصال مفاهيم الحياة في الواقع الافتراضي، وتمكين الداعية وطالب العلم من الوصول إلى معارف عديدة في مختلف المجالات النافعة، ولا سيما على الصعد العلمية ان كان في تطوير برنامج نافع، أو إنشاء مكتبة إلكترونية ضخمة أو موقعاً نافعاً على الشبكة، والأمثلة على ذلك كثيرة جداً لا يتسع المقام لذكره،. وصلاً الى ما يؤدي إلى التواصل الوجداني لتحقيق معاني الأخوة في الله ،”وإِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ “.

 

وشأن هذه الوسائل شأن غيرها، لها أحكام ومقاصد، فإن إستُخدمت في أوجه الخير فنعمةً، وإن استُخدمت في طرق الشر والإفساد فكفراً، و(مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا(، فلتكن هذه الثورة التي اقتحمت كل مناحي حياتنا بلا استئذان وبات الكل متأثراً بها، نعمة نسخّرها لتحقيق الاهداف النبيلة والمقاصد السامية، وعلى هذا خير للمرء أن يكون هو الرائد وهو المؤثر الذي يفتح أبواب الخير ويغلق أبواب الشر. وطوبى لمن كان ذلك، ويكون السلاح بيده أمضى منه بيد عدوه، وذلك بإيمانه بالله وحسن مقصده وكمال متابعته، ” مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا أشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، فيشكلون معاً ركباً واحداً يسير إلى الله عز وجل.

أختم برسالتين الى الآباء والامهات:

ايها الآباء ايها المربون، اياكم والاستسلام، ابنائكم فلذات اكبادكم، اعطوهم الوقت الكافي، أبعدوا عنهم شبح العزلة الاجتماعية، تصارحوا في ما بينكم، شاركوهم هواجسهم ومخيّلاتهم وافكارهم، وإن قرأتم في عيون بعضهم ما يخدش النظر، او لمستم في تصرفاتهم وسلوكهم واقوالهم ما تسرّب من قيم وعادات غريبة. امتثالاً لقوله تعالى ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾، ولا تلعنوا الحاضر، ولا تلعنوا التاريخ فهو ارث وكنز، ولا تلعنوا الفكر، ولا الحضارة ولا التطور. بل اكتبوا واياهم برائحة الحبر، حرية الحرف، وقدسية الكتاب، وعودوا الى الآيات والسطور فاكتبوا من القرآن والانجيل، اكتبوا الحلم ليصبح حقيقة، وليُشرق فجر جديد ملؤه الأمن والأمان والسلم والسلام، و”السلامة لا يعدلها شيء”.

777
والى الامهات الطاهرات العفيفات ذا الحسن والوقار، حذروا بناتكن من خطورة الشبكات الاجتماعية بغير مقاصدها السامية السليمة، حضّوهم على التمسك بقيمنا المعروفية الاثيلة، وبأن حياء المرأة المسلمة هو رأسمالها، وفيه عزها وبه تحفظ كرامتها، وشرف أهلها، وليس هناك زوجة صالحة لا يزيّن الحياء خلقها. وتذكري دائماً بأن الأم مدرسة اذا أعددتها أعددت شعبا طيب الأعراق، الأم أساتذة شغلت مآثرها مدى الآفاق، الأمُّ روضٌ إن تعهدَه الحيا بالريِّ أورقَ أيَّما إيراقِ، والجنة تحت اقدام الامهات،

تطيب دنيا المؤمنين مقامـــــا  … ما دام يسمو في الحياة حيـــــاء
خلقٌ غدا للانسانية وسامـــــــا … نورُ فاضلة ٌُيضيء وجوههم وضياء

 

*محاضرة القيت الثلاثاء 11 تموز 2017 في دار حاصبيا بعنوان “حماية الأسرة من جرائم الانترنت“.

(الأنباء)