ماي والشعبوية والبرج المحترق

د. قصي الحسين

K.H

حسبت رئيس وزراء بريطانيا تيريزا ماي، أن في وسعها الاستفادة من ضعف المعارضة لترسيخ زعامتها من طريق الدعوة إلى انتخابات مبكرة. غير أنها خسرت مشروعيتها وحازت غالبية نسبية تضطرها إلى التحالف مع الوحدويين في شمال إرلندا، وربط مصير حكومتها بهم. ويقول نيكولا بافيريز، إن ماي حين قررت تنظيم انتخابات مبكرة، أغفلت دروس الانتخابات الأخيرة في الدول المتقدمة، التي أظهرت الرأي العام وثورة المواطنين (الحياة 14/6/2017، ص 14).
وبانتهاء الانتخابات البريطانية التي أجريت يوم الخميس في 8/6/2017 وتم الإعلان عن نتائجها النهائية، يمكن لنا التمهل قليلاً لتحليل الاستنتاجات المتصلة بدلالات تلك الانتخابات، إن في داخل بريطانيا أو في جوارها الإقليمي والدولي. وقد سبقنا إلى ذلك الكاتب المصري وليد محمود عبد الناصر حين عرض لخمس استنتاجات، لنتائج الانتخابات البرلمانية البريطانية (الحياة 16/6/2017، ص 9)، وهي:

1- كسر القاعدة التي تقول بتوقع النتائج مسبقاً. وأن رئيس الوزراء بإقدامه على تقديم الانتخابات، إنما يحرق مراحل، بدأ الناخبون بوعيها. وأنه لم يعد يفيد الأحزاب، حسبان النتائج وفق أهوائها، فربما ذهب الناخبون إلى عكسها، واضطر رئيس الحكومة إلى الانصياع إلى ما كان يرفض الانصياع إليه قبلاً، بناء للنتائج الجديدة التي أتت بها الانتخابات.

2- إن هيمنة الأحزاب أخذت بالتراجع أمام المد الشعبي. وأن مساحة الوسطية بدأت بالتقلص، وأن أسهم اليمين المتشدد، بدأت تؤخذ بالحسبان.

3- تركت هذه النتائج بصمتها القوية على المفاوضات التي سوف تنطلق خلال الأيام القادمة. وستتحدد أشكال الانفصال أو العودة إلى الوحدة مع الاتحاد الأوروبي، خصوصاً في ظل السعي لبقاء بريطانيا في السوق الأوروبية الموحدة، والتنسيق في موضوعات الأمن والهجرة.

4- تسليط الأضواء على طبيعة التفاعل بين بريطانيا والولايات المتحدة وفي ظل مراقبة الاتحاد الأوروبي لذلك، خصوصاً وقد جرت محاولات كثيرة سابقاً لهز شباك العلاقة بين الدولتين.

5- يسجل السياسيون والمثقفون والإعلاميون أسئلتهم عن دور المملكة المتحدة الإنكليزية وتراجعه، وعن طرق تفعيل هذا الدور، في ظل تناقض المصالح بين الأحزاب البريطانية كافة، وخصوصاً منها الممثلة في البرلمان البريطاني، إن في حدود “بريكزيت” أو في سياق التحالف الغربي عبر الأطلسي، والمشهد العالمي المتفاعل معه.

وأتى حريق هائل على برج سكني مؤلف من 27 طبقة في وسط لندن، ليكشف عن كارثة لحقت بسكانه أو بجيرانه في الأسواق وفي محطة لاتيمير رود للقطارات. وفي ذروة الحريق ومشاهدة السكان المحاصرين وهم في غالبيتهم من المهاجرين الشرق أوسطيين، أخذ معنى اللجوء يقرع أسماع المسؤولين، وربما أيقظ فيها مشاعر الإحساس بالخوف، ودفعهم لتذكر إحراق برجي التجارة والبورصة في نيويورك العام 2001. وهذا ما جعل رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي تسارع لإبداء حزنها على فقد أرواح في الحريق. وقال ناطق باسمها: “إن رئيسة الوزراء يحزنها بشدة فقد أرواح في برج “غرينفيل” وهي تطلع باستمرار على تطورات الوضع” (الحياة 15/7/2017، ص 7).

تيريزا ماي

وواجهت رئيسة الوزراء تيريزا ماي انتقادات متزايدة لأنها لم تقابل الناجين من الحريق بينما تسعى لعقد اتفاق كي تبقى في السلطة بعد مقامرتها الانتخابية الخاسرة، وهذا ما أثار الانتقادات لأنها لم تقابل الناجين، مما أثار انتقادات من السكان المحليين والإعلام وحتى من حزب المحافظين الذي تتزعمه وأنه كان عليها أن تكون مستعدة لتلقي مشاعر الناس، لا أن تكون خائفةً من مواجهتهم. وهذا ما جعلها تواجه المظاهرات المنظمة ضد سياسة حكومتها.
إن امتحان الانتخابات البريطانية، مضافاً إليه حريق برج “غرينفيل” لمما أظهر بقوة الضرر الذي تتسبب به الشعبوية، خصوصاً عندما جاءت حسابات الانتخابات بعكس حسابات نتائجها، أقله لدى ماي. فقد خرجت منها ضعيفة ولحقت بأذيال ثوبها اللاهث بألسنة النيران التي طالت البرج اللندني، علامات الشعبوية والتعبئة العشوائية التي تجمع بين الإمساك بالحدود وتقييد الهجرة، وبين النهج المتشدد في الانسحاب من الاتحاد الأوروبي والتقوقع وإنكار النتائج المترتبة على ذلك، والتمسك بأذيال الولايات المتحدة التي تسعى لتحقيق مكاسبها على حساب الأقاليم كافة والسياسات المعتدلة التي كانت معتمدة.
ويقول “نيكولا بافيريز”، إن سير الأمور في المملكة المتحدة في ظل سياسة ماي الحاشدة لها، إنما يسلط الضوء، على هشاشة الديمقراطيات في وجه الشعبوية الصاعدة والمنهزمة، لأنها تشكل أكبر خطر على الحريات. وهو يرى أن انقلاب أحوال بريطانيا رأساً على عقب، إنما هو عنيف، لأنه شاهد على الأثر المدمر للأهواء السياسية. فما راكمته بريطانيا من نمو، آخذاً اليوم في الهبوط. ولعل الاقتصاد هو أول المتضررين، لأنه قلص العائدات والخير العام. فما بالك إذا كان الانحراف الشعبوي يسور المملكة المتحدة ويقطع الجسور مع القارة الأوروبية والعالم، وهي التي تحتاج كل يوم إلى تحقيق درجات من الانفتاح والتعاون مع الأمم كافة، لأجل انقاذ اقتصادها، ولأجل انقاذ هيبتها في الجوار الأوروبي وفي العالم أيضاً.

(الأنباء)