قمم الحروب

د. قصي الحسين

K.H

الإصرار الأميركي على دعم أكراد سورية، يحتاج إلى قمة بين أردوغان وترامب. والإصرار الروسي على الاحتفاظ بالإقليم الأوكراني وإقليم القرم والإقليم السوري أيضاً، يحتاج إلى قمة بين بوتين وترامب. والإصرار الإيراني على الاحتفاظ بإقليم اليمن وإقليم العراق وربما لبنان وسورية إنما يحتاج إلى قمة بين روحاني وبوتين من جهة وترامب والملك سلمان من جهة أخرى. والإصرار على محاربة الإرهاب في سيناء ومصر عموماً وفي الأردن وفي سورية وفي لبنان، إنما يحتاج إلى قمة بين الرئيس السيسي والملك الأردني. والإصرار الإسرائيلي على سرقة الأراضي الفلسطينية وحرقها وتجويع أهلها، وعلى سرقة القدس وتزوير تاريخها، إنما يحتاج إلى قمة بين ترامب ونتنياهو وترامب ومحمود عباس أبو مازن.
لم تعد القمم مدعاة للتفاؤل. ولم تعد مدعاة للتفاخر، وهي لا تعد أيضاً بالسلام ولا تعد بالاطمئنان. ولا تعد بمستقبل واعد لشعوب المنطقة. ولا تعد بإطفاء الحرائق وإعادة الأراضي والحقوق والأقاليم لأهلها وأصحابها. فليس ثمة ما يبشر بذلك. وليس ثمة ما يدعو إلى التفاؤل، وليس ثمة ما يدعو إلى الابتهاج والفرح، بقدر ما يدعو للحزن واليأس والمقاومة.
إن سياسة قضم الأحياء وقضم المناطق، وسياسة إشعال الحروب ووقد المحارق والردود عليها بعقد القمم المتتالية في الأقاليم المتجاورة، إنما هي سياسة واحدة. فالشعب العربيّ إن في دول ما يسمى زوراً وبهتاناً بالربيع العربيّ، أو في الأقاليم المجاورة لهذه الدول، إنما يتعرض منذ العام 2003، تاريخ الغزو الأميركي للعراق، وحتى اليوم تاريخ آخر قمة بين الأقطاب في العالمين العربيّ والعالمي، إنما يتعرض لسياسة الاقتلاع والتهجير، وسرقة بلاده بخيراتها كلها وأموالها كلها وترابها كله، لمصلحة سماسرة الحروب وتجارها في طول البلاد وعرضها.

سكان يتفقدون الدمار الناجم عن غارة جوية في حي خاضع لسيطرة المعارضة في حلب بسوريا يوم 2 يونيو حزيران 2016. تصوير عبد الرحمن اسماعيل - رويترز

فإلى متى تظل الحروب مشتعلة في سورية والعراق وفلسطين وليبيا. وإلى متى يظل الأمن مفقوداً على حدود لبنان، وعلى حدود تونس وعلى حدود مصر وعلى حدود الجزائر. والى متى تظل الحدود الإسرائيلية، كما الحدود التركية، كما الحدود الإيرانية، مبعث خوف دائم للأقاليم المجاورة. وأين القمم المتسارعة بين الأقطاب في العالمين العربيّ والعالمي منها.
قمم تتحدث عن عقود السلام واتفاقيات الهدنة، في المحافل والمؤتمرات وداخل الأروقة وباحات القصور التاريخية وساحاتها، وعن النوايا الطيبة والحسنة تجاه الشعوب، العربيّة والإسلامية، وتجاه الشعوب المغتصبة والمقهورة والمستلبة، ولا تقدم شيئاً لإطفاء محرقة، أو منع تهجير أو ردع مجرم أو غاصب أو محتل. ولا تقدم شيئاً لتحصين البلدان الضعيفة أو حمايتها أو حفظ حدودها من الدول الشقية بأطماعها، أو القوى الشقية بخبثها وغاياتها وأهدافها. أو من القادة المستبدين والطغاة المتجبرين والعتاة التاريخيين. فلا رادع لهؤلاء جميعاً لا في القمم ولا في المجالس والأندية ولا في الدوائر ولا في المنابر. وقديماً قال الشاعر العربيّ: زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً أبشر بطول سلامة يا مربع.
لم تعد تنفع قمة من هنا أو قمة من هناك. ولم يعد ينفع رئيس من هنا أو رئيس من هناك. ولم تعد تنفع اجتماعات الأقطاب كلها في العالم العربيّ أو الأوروبي أو الأميركي، في أستانة أو في القاهرة أو في الرياض. فالحروب كثيرة والنيران المشتعلة كثيرة والقمم إنما تعقد بذات يد قصيرة، والأراضي المسروقة والمنهوبة كثيرة والأقاليم الخارجة على القوانين والشرائع والعهود والمعاهدات، كلها تصرخ في وجه القادة والرؤساء والملوك والأمراء: كفى حروباً. كفى نيراناً كفى تهجيراً كفى قتلاً، كفى تدميراً، كفى تلاعباً، كفى مناورة، كفى اختباءً وراء ظل أو وراء إصبع أو وراء ستارة أو وراء شعار أو وراء دثار.
قمم كثيرة تلد حروباً كثيرة. وما تنفع أعلامها؟ هل “حمت المدينة من شظايا قنبلة” يقول محمود درويش!

(الأنباء)