التعقيدات التطبيقية في قانون الإنتخاب الجديد

 د. ناصر زيدان (الأنباء الكويتية)

انتخابات

يحمل قانون الإنتخاب الذي تمَّ الاتفاق عليه بعد مخاضٍ عسير؛ مجموعة كبيرة من التعقيدات التطبيقية واللوجستية، والتي قد تتسبَّب بمشكلات سياسية غير منظورة. وفي القانون بعض الزوايا المُعتِمة التي لا يعرف مكنوناتها الناخِب اللبناني، وفيه جوانب صعبة على الفهم، لاسيما التعديلات التي تتعلَّق بإعتماد النسبية مع التوزيع الطائفي للمقاعد، وطريقة إحتساب الحاصل الإنتخابي، ونِسب الاصوات التفضيلية التي ينالها كل مُرشح.

النسبية التي تمَّ إعتمادها؛ فيها بعض التشويه، لأنها تستند الى اكثرية في إحتساب الاصوات التفضيلية – كما ان الإنتخابات الفرعية التي تجري لمليء مقعد شاغر واحد، تعتمد النظام الاكثري – مما يُثير أسئلة حول قبول بعض الاطراف للنظام الأكثري في النواحي التي تخدم مصالحهم، ورفض هذا النظام في القانون الانتخابي العام، لأنهم لا يملكون الاكثرية في بعض الدوائر.

وما يمكن التوقف عنده في القانون الجديد؛ هو إبراز النتوءات الطائفية والمذهبية اكثر من السابق، بحيث  نصَّت المادة 92 على وضع اسماء المرشحين في اللائحة مع صورهم، مُضافٌ اليها مذهب كل من المُرشحين – وهذا ما لم يكُن معمول به سابقاً – كما أن الإشارة الى عبارة ” الناخبين على إختلاف طوائفهم” في المادة 2؛ لا معنى لها، لأن الدستور يُساوي بين اللبنانيين من دون تحديد إنتمائهم الطائفي.

امَّا التعقيدات التطبيقية التي يتضمنها القانون في طريقة الإقتراع، وفي إحتساب الفائزين من اللوائح؛ فهي كبيرة جداً، والجمهور اللبناني غير مُعتاد عليها، لأنه كان يقترِع بالنظام الاكثري منذ نشأة الجمهورية، وهذا الجمهور كان يختار مرشحين من لوائح متنافِسة احياناً، وقد حُرِم من ذلك في القانون الحالي.                           ما هي اهم هذه التعقيدات:

اولاً: هناك شريحة لا تقل عن 7% من الناخبين – وفق إحصاء الجمعيات المُهتمة – لا تُحسِن القراءة والكتابة، وبطبيعة الحال فإن هؤلاء سيواجهون معوقات عند القيام بمهمة الاقتراع، لاسيما عند الـتأشير على اللائحة المُختارة، وعند إختيار المرشح المُفضَّل، ولا تكفي عملية وضع صورة المُرشح لتجاوز هذه العقبة.

ثانياً: النظام النسبي يحتاح الى نظام حزبي خالص، وهذا غير متوافر بالكامل في لبنان، وبالتالي فإن جمع خليط من الحلفاء في لائحة واحدة؛ ليس بالعملية السهلة، لأن التنافس سيكون عندها داخل اللائحة الواحدة وبين اعضائها من الحزب الواحد، للحصول على اكبر عدد من الاصوات التفضيلية في الدائرة الصُغرى ( اي القضاء ) ولا تستطيع افضل الاحزاب تنظيماً التحكُّم الكامل في توزيع الاصوات التفضيلية على اعضاء اللائحة من بين مناصريها؛ إلا اذا كانت الانتخابات ستجري على قاعدة التكليف الشرعي ( او على دقة الجرس ). وستؤدي هذه الطريقة الى تأجيج الجو الطائفي البغيض، وربما الى إختلال التماسُك التنظيمي لبعض الاحزاب، وقد تقود الى نتائج لا تعكس رغبة الحزب او رئيس الكتلة عند توزيع المقاعد التي فازت بها اللائحة على الاشخاص المُرشحين.

ثالثاً: طريقة إحتساب النتيجة من خلال الدمج بين الحاصل الإنتخابي والصوت التفضيلي؛ معقدة، وليست عادلة. فهي قد تحرم مرشح ترتيبه في اولويات لائحته؛ من الفوز، وبالتالي وفوز مرشح آخر ترتيبه في آخر اللائحة. ان قاعدة النسبية ترتكِز على نظام اللوائح المُقفلة، وعلى سرية ترتيب الاسماء. وفي الحالة المُعتمدة حالياً في القانون؛ يمكن ان يفوز بأصوات تفضيلية احد المرشحين من مذهب معين نال عشرة الآف صوت تفضيلي مثلاً، ويسقط مرشح من ذات اللائحة ومن مذهب آخر نال 30 الف صوت، إذا كان مقعده قد حصل عليه مُرشح آخر، علماً ان الحاصل الانتخابي لفوز المرشح قد يكون 15 الف صوت. اي ان مرشح مُعين قد يحصل على ضعف عدد الحاصل الانتخابي من الاصوات التفضيلية ويُخفق بالفوز بالنيابة، ولا فرق في هذه الحالة بين الإحتساب على الطريقة الأُفقية او الطريقة العمودية للأصوات التفضيلية، او بين اعلى نسبة اصوات تفضيلية داخل اللائحة الواحدة او بين اللوائح مُجتمعة.

يمكن ان يُقال الكثيرعن الثُغرات اللوجستية او السياسية للقانون العتيد، ولكن الحشرة التي وقع فيها الجميع، والإختلال بالتوازن السياسي، فرضا قبول الخيار السيء بدل الخيار الاسوأ، وبالتالي التعامل بواقعية مع مندرجات القانون.

اقرأ أيضاً بقلم  د. ناصر زيدان (الأنباء الكويتية)

نظرية العزل السياسي سقطت الى غير رجعة!

الموازنة اللبنانية بين المعلوم والمَخفي!

عن فترة السماح السياسي للعهد

الحزب التقدمي الاشتراكي والتيار الوطني الحر

عن الانتخابات والاكثرية والنسبية والطائفية وصحة التمثيل

الحكومة اللبنانية بين التكليف والتأليف والميثاقية

السلَّة والدستور اللبناني  

المختارة تُعيدُ التذكير بالفكرةِ اللبنانية

جهل بالتعاملات المصرفية ام قرار بقلب الطاولة؟

عن المزاج الشعبي بعد الانتخابات البلدية في لبنان

الانتخابات البلدية: حسابات القرايا* وحسابات السرايا

عن دور الدبلوماسية اللبنانية

كيف تتعطل إنتخابات الرئاسة اللبنانية؟

النازحون السوريون إلى لبنان: مأساة إنسانية متفاقِمة

الإنعطافة القواتية!

2016: زمن الاعتدال ونوافذ الانفراج

الحكومة اللبنانية: إتفاق وإختلاف تحت سقفٍ واحد