العدالة الإجتماعية في معادلة كمال جنبلاط 

طاهر عزام

المعلم كمال جنبلاط

أنباء الشباب

البداية في تعريف العدالة الإجتماعية، فهي نظام إقتصادي إجتماعي يسعى إلى إزالة الفوارق الإقتصادية الكبيرة بين طبقات المجتمع وشرائحه، فهي في النهاية تهدف إلى توفير معاملة عادلة وحصة تشاركية لجميع الناس في خيرات المجتمع.

أما عند كمال جنبلاط فللعدالة الإجتماعية لونها خاص ومنظورها مميز، فهو نظر من زاوية ثاقبة تميزت بالإنسانية والأخلاق… فكان يعتقد أن هذين العنصرين هما السمات الأهم لتوفير مناخ ملائم لتطبيق الديمقراطي السياسية والإجتماعية. فبروز هاتين السمتين في ممارستنا السياسية ينم عن رقي وحضارة لطالما هدفت شعوب العالم وتقاتلت ودفعت الدماء في سبيل تحقيقها وتجذيرها في انظمتها السياسية.

وما تأسيسه للحزب التقدمي الإشتراكي إلا تكريساً واستكمالاً لهذا المبدأ، وإيماناً منه بقضية دفع حياته ثمناً لها، وهو يكافح لأجل تحقيقها. فالهوة الكبيرة بين طبقات المجتمع اللبناني كانت ولا تزال إحدى الشوائب الخطيرة التي دفعت بالمعلم انذاك إلى إتخاذ مواقف شجاعة حيال القضية، فكانت بداية لحقبة جديدة من الصراع اللبناني الداخلي والذي كان كمال جنبلاط يمثل فيه الطبقة الفقيرة الكادحة أمام الإقطاع والبرجوازية، فسمي بأبي المساكين…

فهو دائماً دعا إلى الإصلاح والقضاء على الفجوة الواسعة بين الأثرياء والفقراء، لتأمين العدالة إجتماعياً، ولإزالة الفوارق والحواجز بين الطبقات، لشق طريق لمبدا التعايش السلمي ولتعزيز إنسانية البشر.

ولأن الإقتصاد لم يكن يوماً هدف لكمال جنبلاط كما كان بناء الإنسان والقضية، كذلك كان مشروعه السياسي والإجتماعي المتجلي باقران الخبز بالحرية. فحلمه كان بناء دولة جديدة، تسودها العدالة في توزيع الثروات، والمساواة في الحقوق والواجبات لأن ذلك من شأنه تكريس الديمقراطية وتحقيق سعادة الإنسان في العالم الإنساني كما سماه كمال جنبلاط.

وعن المطالبة بالعدالة الإجتماعية يقول كمال جنبلاط: “القنينة يغيروا لها دائماً الفلينة”، أي هناك ظلم وتمثل بالقنينة، والظلم يؤكد لنا وجود ظالم أي “الفلينة” والتي تعودنا في لبنان تغييرها، أي تغيير الظالم وبذلك نبقي على الظلم والمظلومين. بينما هنا المطلوب ليس تغيير الظالم بل كسر عنق الزجاجة، زجاجة الظلم وإخراج الناس من هذه المظلومية وإطلاق سراحهم نحو خيوط الحرية.

ولكن السؤال المطروح، هل عمد أحدٌ في لبنان إلى كسر عنق الزجاجة عبر محاولة إيجاد توازن متكافئ في ميزان القوى الإجتماعية الذي دائماً ما مال لكفة الأغنياء على حساب الفقراء؟؟ وما خير دليل على صحة كلامنا غير المرض الذي تحدث عنه كمال جنبلاط وهو مرض الإستهلاك. فالشركات والمصارف استطاعت بفضل حنكتها وبفضل توفيرمناخ ملائم لسياستها من قبل الدولة، ولأن الطبقة الحاكمة هي نفسها تمثل رؤوس وحيتان المال، استطاعت أن تقلب صراع الطبقات إلى ما يسمى بتواطؤ الأضاد.

فبدل أن نقوم بتأجيج هذا الصراع لإيصاله إلى النقطة الحرجة حيث هناك أفق جديد، شاركنا في الجريمة من حيث لا ندري، وساهمنا في إستمالة موازين القوى الإجتماعية في المجتمع اللبناني نحو المزيد من الفقراء والمزيد من الأغنياء.

فمثلاً ما معنى هذه القروض المسهلة من البنوك، فحوالي 70 إلى 80 بالمئة من العائلات اللبنانية مدينة للبنوك. وأيضاً وبسبب الفساد المشرع وبسب وجود طبقة حاكمة هي نفسها من تحكم الإقتصاد اللبناني، قامت بإيصال البلاد إلى ما هو عليه الحال اليوم، لتأمين إستمرارية الواقع المرير الذي يخدم مصالحها.

كل هذا أدى إلى طلب المعونة من القطاع المصرفي الذي بدوره دين الدولة، فأصبحت الدولة مديونة وأصبحت وجهتنا الهاوية. إذاً كيف يمكن تطبيق ما دعى إليه كمال جنبلاط عبر تقسيم الثروات بالمساواة وتحديد الحقوق والواجبات، بينما الحكام الفعليون في البلاد هم حيتان المال ويحتكرون الثروات وقد أغرقوا سفينة العدالة بطمعهم وجشعهم وضمائرهم الخبيثة؟

في معادلة كمال جنبلاط التي أراد أن يثبت من خلالها أن قيمة الإنسان الذاتية هي الأساس في عملية التطور الإنساني، وأنه يجب علينا “أنسنة” هذا الإنسان عبر وضع أسس تبنى عليها العدالة، كانت أولى الخطوات دعوة المجتمع إلى التمرد على الإرتهان والخنوع والظلم، وما السبيل إلى ذلك إلا باقران العدالة بالحرية لفتح آفاق إنسانية رحبة يجد فيها الفرد نفسه بعيداً عن غوغاء الأنانية حيث تكمن عدالة كمال جنبلاط الإجتماعية في العالم الإنساني.

(*) المقالة جاءت كمشاركة في مسابقة كمال جنبلاط  السنوية

(أنباء الشباب، الأنباء)