فرنسا وعقد التسوية

د. قصي الحسين

K.H

فازت التسوية في فرنسا عشية الانتخابات الرئاسية التاريخية التي جرت يوم الأحد 7/5/2017. فوز الرئيس ايمانويل ماكرون بنسبة 66 % من اصوات الناخبين، لم يكن فوزاً له على مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبن، بقدر ما كان فوزاً للتسوية التاريخية مع اليمين المتطرف، ممثلاً بها، وبالفناء الخلفي له في العالمين الأوروبي والأميركي، وتحديداً مع روسيا/ فلاديمير بوتين، والولايات المتحدة الأميركية/ دونالد ترامب، والمملكة البريطانية العظمى/ المنقلبة على منطقة اليورو والاتحاد الأوروبي.
اقترعت فرنسا إذن عشية “وقعة الأحد الديمقراطية” للتسوية، لا لقرع طبول الحرب مع أحد في المعادلات القطبية القائمة اليوم في العالم. وألقى الناخبون الفرنسيون على عاتق الرئيس ماكرون “مهمات ضخمة”، حين أولوه ثقتهم، باعتباره الفرصة الأخيرة لانقاذ اقتصاد فرنسا وحماية أوروبا من التطرف المتصاعد الذي كاد يشعل فرنسا من أطراف ثوبها كله، لو فازت منافسته اليمنية المتطرفة مارين لوبن.

1- نجح ايمانويل ماكرون من خلال حملته الانتخابية الرئاسية بتحقيق الشروط الفضلى للقطيعة مع الأحزاب التقليدية، وذلك من خلال إقناعه الناخبين أنه البديل الهادئ الكفوء، بل البديل المحاور لا المحارب، والبديل المهادن لا المشتعل، والبديل الساعي للانقاذ، لا الغارق في بحار جنون وطيش العصر، مجسداً بالعصبيات ونزاع الهويات ومقاتل الغرائز والفتن وتأجيج الصراعات مع القوميات والأقليات وفارق اللون.

2- ظهر ماكرون بفوزه، أنه رجل المصالحة التاريخية مع الشعب الفرنسي بتياراته وأحزابه جميعاً، في البرهة الساخنة من تاريخ العالم، وأنه يسعى إلى توحيد الصفوف التي صدعتها الحملات الانتخابية والكلام الكبير الذي كان يقال فيها. ولهذا جاء خطابه الهادئ في يوم الفوز، تتويجاً لرؤيا هادئة شاملة وواقعية لا متخيلة، في فرنسا الخارجة لتوها من أتون الانتخابات، جاعلاً العنوان الأساس الذي يشتغل عليه: “فرض الأخلاقيات في الحياة السياسية والاجتماعية العامة في فرنسا ومنطقة اليورو معاً على حدٍّ سواء”.

3- إن فوز ماكرون أرسى في الاتحاد الأوروبي قواعد الهدوء السياسي، لا الصخب ولا الهياج ولا العصبيات. وابعد عن البريكزيت شبح الشعبوية والتمزق والتصدع والهروب إلى الأمام تجاه المشكلات الضخام في السياسة والجغرافيا والاستراتيجية والاقتصاد والرعاية والحضانة والحمائية واللجوء.
مما جعل أوروبا جميعاً ترحب بهذا الفوز التاريخي للشباب الهادئ، على سياسة المكر وسياسة المسنين، وعلى سياسة العنصرية والحقد على الهوية.

4- استطاع ماكرون بفوزه أن يغلب اليمين واليسار بقيادة سياسة حركة “إلى الأمام”. وهي حركة نمت بصورة شبه عفوية من حوله، وساهمت في إرساء خطه ونهجه بقوة وثبات في المعادلات السياسية والاستراتيجية، التي تنشأ عادة مع فوز الرؤساء التاريخيين. إذ يعتبر الكثيرون من المحللين السياسيين، أن ماكرون (39 عاماً) رئيس تاريخي لفرنسا، بمنحة بل بفرصة تاريخية حققت لفرنسا.

5- وقبل استلام مهام الرئاسة الفرنسية الأحد المقبل 4/5/2017 سيشارك ماكرون بكل قوة في تثبيت خطه في الانتخابات النيابية المقررة في 11/6/2017، تماماً كما رسم لنفسه خطاً في ذكرى الانتصار على النازية، فوقف إلى جانب الرئيس فرنسوا هولاند محيياً شجاعة الفرنسيين وكافة شعوب العالم في مواجهة النازية والفاشية والتطرف بأقنعة الوجوه القديمة وأقنعة الوجوه الجديدة على حدٍّ سواء.

6- وإذ يقضي البروتوكول، أن يستقيل الرئيس من الحركة التي ينتمي إليها، بعد فوزه بمنصب الرئاسة، فإن إيمانويل ماكرون وجد ضرورة لتثبيت خط الوسطية والاعتدال الجامع بين الأحزاب والتيارات السياسية حين أوعز، لتوسعة هذا الخط المعتدل وتنميته بوجوه شبابية، تستطيع أن تقود فرنسا حقاً إلى الأمام. فرئيس حركة “إلى الأمام” ريشار فيران، مذكراً بتوجهات الرئيس الفرنسي العتيد ماكرون وخطابه الناهض بفرنسا، إنما يدعو اليمين الفرنسي إلى التلاقي على رئاسة الحكومة لأجل التوازن في العمل السياسي القادم لمصلحة فرنسا كلها.

7- يشتغل ماكرون منذ اليوم الأوّل بعد الفوز بالرئاسة، إلى أن يكون همزة الوصل بين اليمين واليسار، يدعو الطرفين، للتلاقي على التوحد في الجهود لإنقاذ فرنسا والشعب بواسطنها إلى التغيير والتطوير في برهة التاريخ الحاسمة. ولهذا نرى أنصاره إنما يحتشدون وراء سياسة الانفتاح على جميع الناخبين الفرنسيين، لأية جهة اقترعوا، لأن فرنسا فوق الجميع ولأن سياسة ماكرون لمصلحة الجميع.

8- إن خطاب الرئيس ماكرون التاريخي في باحة اللوفر، كان موجهاً لجميع الناخبين، وخصوصاً ناخبي خصمه السياسي لوبن، حين عبروا عن “غضب وضياع” كما قال، أو عن قناعة سياسية. وعاهد الجميع أن يحترم إرادتهم ويبذل كل الجهود لأجل الامتناع بعد اليوم عن الاقتراع للتطرف بعد خمس سنوات من اليوم، وذلك بإزالة الأسباب المنتجة للتطرف والعصبية وصراعات العرق واللون والدين والانتماء. إن فرنسا واحدة وشعبها واحد. ويجب أن تكون توجهات الرئاسة الفرنسية لوحدة فرنسا وشعبها، من خلال توحيد الرؤى والآمال لأجل حركة فرنسا إلى الأمام.

9- الرئيس ماكرون سيواجه التحديات الكثيرة وهو يغذ خطاه إلى قصر الإليزيه الأحد 14/5/2017. فمن ملف الاقتصاد إلى ملف ارتفاع البطالة، إلى ملف الأمن، إلى ملف اللاجئين إلى ملف المضطهدين والفقراء والمعوزين والجائعين والمغادرين الجهاديين من النشطاء، والوافدين الهاربين من أتون الحروب والنيران، نجد الرئيس الفرنسي، يحمل بيد مشعل العلمانية وبيد أخرى مشعل الإنسانية، ويدخل متوحداً بهما إلى قلب الهوية الوطنية الفرنسية.

(الأنباء)