عن الديمقراطية في فرنسا والميثاقية في لبنان!

رامي الريس

المقارنة بين الديمقراطية الفرنسية و”الديمقراطية اللبنانية” ضربٌ من…  “المغامرة”!

فالنظام السياسي الفرنسي يختلف عن “نظيره” اللبناني، الأول علمانيته علامة مضيئة في تجربة فصل الدين عن الدولة، والثاني طائفيته ومذهبيته علامة قاتمة في فصل المواطنين عن بعضهم البعض وفرزهم وتقسيمهم.

الأول قدمّ مثالاً منذ الثورة الفرنسية سنة 1789 عن كيفية التوفيق بين إحترام حريات الأفراد والجماعات ومن ضمنها الحريات الدينية بطبيعة الحال والمساواة بين جميع أفراد المجتمع دون تمييز بسبب طائفتهم أو مذهبهم أو لونهم أو عرقهم.

الثاني غرق في بناء الجدران الطائفية بين المواطنين وفي جعل الطائفة هي الممر الإلزامي لدرجة أصبح فيها غياب ممثل طائفة ما عن إدارة جمعية أو هيئة أو نقابة أو لجنة الحي بمثابة “إختلال وطني”.

في فرنسا، يُنتخب الرؤساء وتشكل الحكومات دون البحث بالأثلاث المعطلة أو فلسفة مفهوم الميثاقية.  هكذا تنضوي كل الأحزاب تحت سقف الدستور والقانون والمؤسسات. المرشح الخاسر يكون أول المهنئين للمرشح الفائز، لا طعن في شرعية المنافس أو وطنيته.

الشعب الفرنسي لم يمنح ثقته لمرشحة اليمين المتطرف مارين لوبن، ليس فقط لتخوفه من تدميرها للمنجزات التراكمية للجمهورية في العلاقات الخارجية والديبلوماسية والإقتصاد والثقافة؛ بل أيضاً لرفضه أسلوبها الخارج عن المألوف في أدبيات السياسة الفرنسية ولعلها تتقاطع في أساليبها التعبيرية الإستفزازية مع الكثير مما نراه على شاشات التلفزة من “مناظرات” تكال فيها الشتائم الشخصية والإهانات والتجريح ويقل فيها النقاش السياسي والجدل المرتكز إلى الوقائع السياسية والفعلية.

في فرنسا، قال الشعب الفرنسي كلمته مثبتاً أن الشعبوية ليست خياراً حتمياً، وأن الحرية المتلازمة مع الوعي عند الشعوب قادرة على تحديد الخيارات السياسية بعقلانية بعيداً عن الجدالات البيزنطية المستعدة لإستحضار كل أشكال الحجج الواهية والإستفزازية فقط بهدف  إدامة النظام  الطائفي وضمان إستمراريته.

لقد إرتضى اللبنانيون، قسراً وطوعاً، الديمقراطية التوافقية خياراً، ولكن إمعان بعض الأطراف في تشويهها يكاد يفرغها من مضمونها ويفقدها أهميتها في ظل تراجع المنطقة العربية على مختلف المستويات السياسية والثقافية والإقتصادية.

الحاجة للتمسك بهذه “الديمقراطية اللبنانية” ملحة أكثر من أي وقت مضى، ولكنها تتطلب تحصيناً وحماية وذلك لا يتحقق إلا من خلال توسيع المساحات المشتركة بين اللبنانيين وليس بفرزهم مذاهب وطوائف وتكريس هذا الفرز في النصوص والقوانين والإستحقاقات الديمقراطية.

——————————

(*) رئيس تحرير جريدة “الأنباء” الالكترونيّة

Facebook: Rami Rayess II

Twitter: @RamiRayess