حزب جلسة الشاي… والتحدي الحقيقي

احمد حسان

hassan

التاريخ السياسي ليس مجرد سجل لأحداث ومواقف وتواريخ وتحركات، وإن كانت هذه جميعاً تشكل مصادر أساسية له، بل هو أيضاً نتاج تفاعل المؤسسات والأحزاب والقوى السياسية، ورصد للخطاب السياسي والتحالفات والنتائج…

شهد تاريخ لبنان منذ عشية الإستقلال تحولات رئيسية على غير صعيد إقتصادي وإجتماعي وسياسي، وكانت هذه التحولات بدورها إستمراراً للتحولات الموروثة من الحقبات السابقة، وهو ما شكل بمجمله وامتداداته النظام السياسي الذي يحكمنا اليوم. ويكفي لمن يراجع هذا الواقع وما نتج عنه من أزمات سياسية، ليكتشف عمق أزمة النظام السياسي وصعوبة التعايش بسلام ووفاق مع تركيبته ومكوناته وأصنامه وأفكاره وممارساته.

الشهيد المعلم كمال جنبلاط، كان بهذا المعنى، من أكثر الرجالات الوطنية وعياً لتركيبة هذا النظام، وقدرة ومعرفة وخبرة على  مواجهته ومواجهة جشعه وأطماعة وأهدافه.

لقد مارس المعلم الشهيد السياسة بعقلية تقدمية، وبفلسفة إنسانية إشتراكية راقية، هدفها حماية الحريات والحقوق وتعزيزها، ومحاربة الفساد والنهب المنظم لمالية الدولة ومقدراتها. وهو من أجل تحقيق ذلك طالب بوضع قانون للإنتخابات النيابية يؤمن أوسع تمثيل حقيقي للفئات اللبنانيّة، ويفتح الباب أمام جميع القوى السياسية والنقابية للمشاركة في وضع السياسات الإقتصادية والإجتماعية وتنفيذها. وتشهد له مواقفه التاريخية في هذا الإتجاه. فقد ترك بصماته الواضحة والمؤثرة على الحياة السياسية اللبنانية، وهو الذي شغل الناس بمواقفه وحكمته وحنكته السياسية، وبأسلوبه السهل الممتنع في إرسال الرسائل وإدارة المواجهات المباشرة، وشجاعته في اتخاذ المواقف بقوة ووضوح ودون مواربة.

في إحدى جلسات المجلس النيابي (9/5/1946) جاهر كمال جنبلاط برأيه في أعضاء المجلس حين قال: “أن هذا المجلس قام على أسس إنتخابيّة غير صحيحة، نظراً لقانون الإنتخاب الذي جعل كل من يريد أن يرشح نفسه مضطراً لأن يتصل بأشخاص ربما لا يوافقهم في العقيدة والمبدأ” وفي الجلسة طالب النواب من كمال جنبلاط أن يتراجع عن كلامه، ولكنه رفض ذلك، فصوت النواب على إخراجه من المجلس، وكان رده الجريء عليهم “سأعود إلى المجلس بالقوة المسلحة” وهي اللغة الوحيدة التي كان يفهمها ويخاف منها المسؤولين.

وقف موقفاً صلباً من الإنتخابات النيابيّة في أيار 1947، التي اعتبرت محطة سوداء في تاريخ لبنان، أتهم المعلم كمال جنبلاط الرئيس بشارة الخوري وحزبه _الكتلة الدستورية_ بأنهما وراء تزوير الإنتخابات للإتيان بنواب موالين مقابل تجديد ولايته لستة سنوات أخرى، ومن أجل ذلك كان من أول الداعين إلى الإضراب العام في بيروت بتاريخ 31 أيار 1947. وهو عندما حول عدداً من الموظفين المرتشين والسارقين والمزورين لانتخابات 1947 إلى المحاكمة “فإذا بالدولة كرمتهم…”.

وفي معرض مواجهته للفساد والرشوة، لم يتردد في إحدى جلسات المجلس النيابي في العام 1947 عندما أشار بأصبعه إلى النائب ميشال مفرج وقال له: “أنت أخذت مليوناً من الدولارات فأرجو منك أن ترجعها إلى صندوق الدولة”.

وفي كلمة له أمام المجلس النيابي في 1/12/1949 رأى أن “مشكلة لبنان أنه يحكم باسم الطائفية والإقطاعية والمصلحية، وأن حكامه يعتبرون أن الدستور شرعة خاصة واتفاق شفوي واعتيادي بين صاحب المزرعة والمرابعين، وأن القضاء تعامل عائلي وتحكيم عشائري، وأن التمنطق السياسي تمنطق سوقي وبازاري”.

عندما أعلن المعلم الشهيد كمال جنبلاط تأسيس الحزب التقدمي الإشتراكي في الأول من أيار سنة 1949 بمناسبة عيد العمّال العالمي رأت جريدة “النهار” في عددها الصادر 3/5/1949 “أن يعتمد زعيم إقطاعي كالنائب جنبلاط يوم الأول من أيار يوم العمّال للإعلان عن مولد حزب إشتراكي تقدمي، كما أن الحزب لم يعلن في مزرعة أو في مجتمع عمّالي، بل في حفلة شاي… عرف مؤسسوه كيف يخرجونه من النظريات والفلسفات إلى نطاق التنظيم الشعبي العملي وإلى نطاق صراع المصالح السياسية والإقتصاديّة والإجتماعيّة”.

لقد كسب حزب الشهيد المعلم كمال جنبلاط التحدي، وما عليه اليوم إلا أن يثبت أنه قادراً على مواجهة التحدي الحقيقي في أن يسير على خطا مؤسسه، وأن يعيد الإعتبار للعمل الوطني، بعيداً عن اللوثة الطائفية والفئوية والمناطقية إلى رحاب الحركة الوطنية اللبنانيّة…

من كسب التحدي في هكذا حزب لن يصعب عليه تحدي الواقع بكل مراراته وتعقيداته.

 

اقرأ أيضاً بقلم احمد حسان

الإرادة المسبقة بتعطيل مفهوم الدولة

التحدي الخطير والمراقب الحذق

الجنة ليست للفقراء

واقع الحركة النقابية وضرورة التغيير

اليوم العالمي للحرية وبصمة العار اللبنانية

حذار الوقوع في فخ إتفاقية جنيف للاجئين

الحزب والجبهة وتحدي التغيير

المرأة وثقافة العيب

العدالة الإجتماعية كحافظة للسلم الأهلي

الرئاسات ليست ملكاً للطوائف!

كم نحن بحاجة إليك اليوم وليد جنبلاط

سلاح الجيش الأمضى الذي لا يمتلكه غيره

قدر لبنان ورسالته التاريخية

الطاحونة السورية والغلّة اللبنانية

المجموعات الطوائفية والمعارك الوجودية

البديل النقابي الديمقراطي وتحدي التغيير

مفهوم السيادة والدولة الفاشلة النموذج اللبناني

قواعد السياسة الإقتصادية وهاجس الإمساك السلطة