المناظرة الانتخابية بالضوء

د. قصي الحسين

K.H

طوال الشهور التي مرت على اطلاق الحملة الانتخابية في فرنسا، بين مرشحة اليمين الفرنسي المتطرف مارين لوبين وبين منافسها الوسطي إيمانويل ماكرون، بدت استطلاعات الرأي تظهر تراجعاً في تأييد المرشح الوسطي ماكرون، وارتفاعاً في نسبة مؤيدي مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبين، غير أن المناظرة التلفزيونية التي جرت بينهما عشية الانتخابات الحاسمة الأحد تحولت إلى مواجهة صدامية حادة تخللها سيل من المهاترات غير المسبوقة في هذا النوع من المناظرات، ما أثار استغراب الكثيرين من السياسيين والناخبين والمقترعين.

1- وقفت مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبين، لأول مرة تحت الضوء عارية وفتحت النيران على ماكرون، ملقية عليه مسؤولية الفشل الذي حكم أداء الرئيس الحالي فرانسوا هولاند، والذي وصفته بأنه مرشح العولمة الهوجاء والابن المدلل للنظام. واصفةً نفسها بأنها مرشحة الشعب والأمة التي تحمي مواطنيها ووظائف أبنائها.

2- كشفت لوبن في المناظرة الانتخابية بالضوء هذه المرة، الاستراتيجية العدائية التي تخفي ضعف اطلاعها على الملفات العديدة وفي طليعتها الملفات الاقتصادية، مخيبة بذلك آمال الفرنسيين في الحصول منها على ايضاحات حول مواقف المرشحين، حول القضايا التي تمس معيشتهم ومستقبلهم، وهذا بنظرهم أهم من المهاترات وفجور الاتهامات التي تصب في مصلحة الناس الذين ينظرون إلى مستقبل فرنسا، أكثر مما ينظرون إلى ماضيها.

3- أثار هذا النوع من الاتهامات والمهاترات حفيظة الناخبين، كما أثارت حفيظة ماكرون، خصوصاً وأنها خرجت عن حدود التحفظ واللياقة، مما جعله يرد عليها بقسوة ويسفه مقولاتها الرعناء، حين يقول لها: “أنت تقولين سخافات، وليس لديك اطلاع على الملفات”. ووصفها بأنها تحمل روح الهزيمة، المناقضة لروح التقدم والريادة، اللذين يرفع لواءهما في مشروعه الرئاسي.

4- ظهرت لوبن تحت ضوء المناظرة، عاجزة عن توضيح موقفها من موضوع رئيسي تنادي به في حملتها، خصوصاً حين طلب ماكرون منها أن تعلن عن موقفها من اليورو، والعودة إلى العملة الوطنية والفرنك الفرنسي، وقد كان ذلك سائداً قبل ظهور اليورو واعتماد العملة الأوروبية الموحدة بعد قيام الاتحاد الأوروبي.

5- اتهمت لوبن ماكرون، بأنه مدعوم من جانب “اتحاد المنظمات الاسلامية الفرنسية” ووصفته بانه مرشح المسلمين. وأنه مرشح الشركات الكبرى العملاقة، التي تمول حملته الانتخابية، فكان رده قاسياً عليها، حين وصفها بأنها “تكذب باستمرار”. وأن جميع مقولاتها، ليست إلا أكاذيب لا تسندها حقائق، فهو لا يتصل بمسؤولي الإسلاميين، ولا يتلقى الأموال من الشركات موحياً بأنها هي التي تنسق مع الاسلاميين، وهي التي تتلقى الأموال من الشركات الكبرى الممولة لها.

6- حملت لوبن على ماكرون بشدة واتهمته بالانصياع لأوروبا، وهذا ما قوى موقفه أيضاً وجعله يسألها: “ممتاز لأنك تؤكدين للفرنسيين أنه ليس لديك برنامج، وأنك فقط تكتفين بالتهجم على النظام السائد، دون تقديم البديل الايجابي من جانبك. وهذا في غاية السخف.

7- كشفت لوبن عن وجهها في ملفات السياسة الخارجية، بأنها تريد التعامل مع بوتين ومع دونالد ترامب. وهذا ما أضعفها لجهة انتقادات الشعب الفرنسي لخداع بوتين وترامب في المسألة السورية الراهنة، وغزل النظام والمعارضة في وقت واحد، مما يكشف النفاق السياسي الذي يمارسانه في الملف السوري.

8- كشفت المناظرة الانتخابية بين لوبن وماكرون تحت الضوء، السياسة الارتجالية التي تمتهنها، وعرّت مواقفها غير المسؤولة في قضايا هامة، مثل قضية المهاجرين وقضية الاسلاميين وقضية فرنسا من الاتحاد الأوروبي وموقعها في منطقة اليورو. وهذا ما جعل رئيس الحكومة السابق آلان جوبيه يعلق عليها فيتحدث عن رداءة المناظرة، وأن المسؤولية إنما تقع على عاتق لوبن، التي أسفت كثيراً في اقوالها وعملت طوال الوقت تحت ضوء المناظرة الانتخابية على ما أسماه خفض مستوى التبادل في الرأي. إذ كلما كان ماكرون يطالبها بموقف، كانت تهرب إلى الأمام بالاتهامات والمهاترات.

9- إن الاسفاف في الاتهامات، وفي استعمال اللّغة غير المسؤولة، جعل المناظرة الانتخابية بالضوء، وعلى يد لوبن بالذات، أشبه باشتباك غوغائي، وشجار طائش غير مسؤول غابت عنه الحكمة السياسية والموقف السياسي المسؤول الذي يطلبه الشعب الفرنسي من مرشح عتيد لاستلام مهام الجمهورية الفرنسية. وهذا ما جعل موقف ماكرون أقوى من موقف لوبن، وأرقى كلاماً ومسؤولية.

10- رسم ماكرون تحت ضوء المناظرة الانتخابية، صورته الرسمية المسؤولة في مواجهة قضايا فرنسا داخل حدودها وخارجها، وداخل حدود منطقة اليورو وخارجه. وقد رسم حدود العلاقة السياسية مع الدول. أما لوبن فظهرت كمشاغبة واشتغلت على الشغب ليصبح سياسة لها، ولم تعر الاهتمام للرأي العام الفرنسي الهادئ الذي يريد حاكماً رشيداً أو حكماً رشيداً، لا مشاغباً ولا غوغائياً.

11- إن الشعب الفرنسي مخنوق أنفاسه نهار الأحد. ذلك أن انتصار لوبن سيقود فرنسا ويشارك في قيادة أوروبا والعالم إلى الهاوية. وهو انتصار للانحطاط الذي سار به كل من فلاديمير بوتين والراحل هوغو شافيز الكاره لأوروبا والمعجب ببشار الأسد، ودونالد ترامب الرئيس الشعبوي الأول في تاريخ أميركا والعالم.

12- من هنا كان قلق الأحزاب التقليدية من اتجاهٍ يرونه متزايداً للوبن في ظل اللاعقلانية الانتخابية التي حكمت انتخابات الرئاسة الأميركية، وصعدت ترامب رئيساً، خصوصاً وأن استطلاعات الرأي أظهرت أن معظم الفرنسيين لا يرغب بذلك. فهل الانتخابات بالضوء، غيرها بالظل. فرنسا الأحد، يومَ يدها على قلبها.

 – أستاذ في الجامعة اللبنانية