فساد الميثاق    

د. قصي الحسين

K.H

في الثورة بلا قيادات، وكيف سيبادر الناس العاديون إلى تولي السلطة، وتغيير السياسة في القرن الواحد والعشرين، يقول “كارني روس Carni Ross” الذي كان أحد الديبلوماسيين البريطانيين الوحيدين اللذين استقالا بسبب احتلال العراق العام 2003: “إن الميثاق، إنما يزداد سوءاً، من جراء ظاهرة تخريبية إضافية: ظاهرة الشرخ المتسع بين الناخبين وممثليهم (ص 74). وهو يرى، أن تطور الديمقراطية، كان قد سلك بها من المباشرة إلى التمثيل. أي من قيام الناس جماعياً بتقرير أمر شؤونهم، إلى انتخاب آخرين يتولون القرارات باسمهم. وهو يضيف: “أن تطور الديمقراطية التمثيلية ظل مصحوباً بتنامي المسافة الفاصلة بين الناخبين والقرارات التي تعنيهم”.

والواقع أن الأنظمة الديمقراطية كافة، كانت قد اختزلت المشاركة الفردية، إلى مجرد اقتراع عرضي، لاختيار مشرعين أو هيئة الجهاز التنفيذي . وهذا الأخير، هو الذي يوكل إليه التواصل مع الهيئة التشريعية، لإدارة شؤون المجتمع إن من النواحي المالية والاقتصادية والإنتاجية، أو من نواحي السياسات العامة ذات الصلة بالسياسات الدولية، أو ما يعرف اليوم بالسياسة الدولية.

لهذا نرى كيف يعظم التنافس في سباق الالتحاق بركب النخبة، وكيف يصبح لدى بعض المستفيدين والطامحين والطامعين، تنافساً حاداً وعدائياً، وربما اتخذ في بعض الأحيان شكلاً من أشكال العنف الممجوج والمقيت. يقول كارني روس: إن تكلفة الفوز بمقعد في مجلس النواب الأميركي، إنما تصل إلى مليون ونصف دولار تقريباً. إن كلفة الفوز بمقعد في مجلس الشيوخ فتبلغ حدود التسعة ملايين دولار، ولربما نافت عن ذلك بقليل.

وهؤلاء الفائزون، ما أن يكادوا يتولون السلطة التشريعية، حتى يبادروا للاتصال بجماعات ضغط، حتى يصبحوا نافذين في الجهاز التنفيذي للتأثير في قراراته حسب أهوائهم وأمزجتهم أو بحسب مصالحهم وغاياتهم وطموحاتهم المالية والسياسية المتفاقمة، مما يفسد الميثاق، الذي أتى بهم أصلاً إلى مجلس السلطة لإدارة البلاد بنـزاهة وبقيم تمثيلية تعاقدية بين الناخب وممثله الذي أوقف آماله عليه، حين علق إرادته على انتخابه.

وتتزايد صيرورة الصراع لتأمين النفوذ السياسي، من خلال تشكل لوبيات، تمثل لوبيات، أو من خلال تشكل جماعات ضغط تمثل جماعات ضغط أخرى. وأحد أسباب تكاثر أعداد دعاة “لوبيات الأعمال” واضح عموماً، وهو كون الاستثمار في النفوذ مربحاً. ويقول كارني روس إن شركة BP (بريتش بتروليوم)، نجحت في تمكين عضو البرلمان الأوروبي الديمقراطي الليبرالي كريس ديفيز Chris Davies من صدغ تشريع حول تغير المناخ، قضى بتأمين تمويل مبلغ تسعة مليارات يورو، من جيوب دافعي الضرائب الأوروبيين .

إن تعاظم صناعة الجماعات الضاغطة، لهي أوضح دليل على القطيعة بين الحكام والناخبين. وقد واصلت صناعة اللوبيات نموها وجبروتها الشنيع. وجرى في بريطانيا مثلاً اخفاء التأثير التخريبي للدعاة، بصورة دقيقة. وفي نظام تكون فيه السلطة ماثلة وممركزة في مكتب الرئاسة، يبادر العديدون من مستشاريها إلى ترك مناصبهم.

ولعل معظم المستشارين في القصور الرئاسية، إنما يشكلون فريق علاقات عامة، وينعمون بفيض من العقود السخية مع الأعمال التي يكون لكثير منها، مصالح واضحة في التشريعات التي اجترحتها الرئاسة. إذ هناك تفاهم مكتوم شبه نافذ. فحين يسارع السياسيون إلى “التقاعد” من واجباتهم التشريعية الرسمية، سرعان ما يبيعون صلاتهم وخبراتهم التشابكية بوصفهم دعاة ترويجاً لمشاريع ذات ربحية هائلة.

وبالنظر إلى “القوة الخبيثة” الناشطة في النظام السياسي الراهن في لبنان، لا نجد غرابة في كون النحو نحو قرارات معينة، هي في أكثر الأحيان فضائحية ولا تعبر عن حاجات الناخبين، أو حتى عن الدولة بالذات. وحيث يكون الساسة كثيفي التعويل على النـزعات الانتخابية، فهذا من الآثار الصارخة الوضوح على فساد الميثاق.

ولعل تعرض الفضاء السياسي للاحتلال، متزايد باطراد، لا من قبل المواطنين، بل من جانب المؤسسات التجارية الكبرى، ومن قبل الأثرياء. وباتت الشركات الخاصة، عاكفة على توظيف الأساليب السياسية لناشطين معينين، خدمة لمصالحها الخاصة. ولهذا يعمل النافذون في السلطة، للطلب من الناشطين في الأندية والجمعيات والأحزاب “للتحرك بقوة” لتنظيم الاجتماعات، والنـزول إلى الشارع في مظاهرات لإضفاء “ثوب إنساني”، على هذه التجمعات في خططها غير السليمة، بل الموجهة، لدعم جهود رامية إلى الفوز في المواجهات غير النظيفة.

ولعلّه تحول لافت في الفهم التقليدي لـ”العمل الإنساني الخيري”، حيث إن هذه الفعاليات التي من المفترض أن تكون رحيمة وحميدة ونظيفة، سرعان ما تتمول بحسب الخطط والمناهج الموكلة إليها من السلطة المنتخبة، إلى مناهج خبيثة ومؤذية، وأخطر ما في ذلك أنها تتحول لجماعة شغب، غير مسؤولة أمام أحد، ولا حتى أمام الأنظمة والقوانين المرعية الإجراء.

ولعل الإرادات والسياسات المنتخبة الطاغية والطامعة، بالحصول على مكاسب، إنما تصطنع لنفسها منظمات وجمعيات متمتعة بقواعد مشتركين لا يسددون الاشتراك، ولا يحضرون الاجتماعات، بل يظلون بحكم القوة الضاغطة لتحويل النشاط السياسي إلى مهنة، تهدف إلى حماية مكاسب وأرباح ونفوذ، عملت لتوسعته وتضخيمه وتعظيمه بالاحتيال على القانون، وبفرض شغب في الأحياء، لممارسة السياسة الضالة على الآخرين بحيث سرعان ما تسهم مثل هذه الجماعات في التطرف المتصاعد للجدل السياسي.

وتتمثل إحدى عواقب هذه النـزعات بالاستقطاب الحزبي المتصاعد، وإضفاء صفة القدح والذم على الحوار العام، والتلويح بأسلوب “العصا الناطقة”، لتعبير عن مواقفهم، قبل الحصول على فرص السماع والحوار. ويضاف هذا إلى جملة من العوامل الأخرى، مثل استقطاب الآراء السياسية الطاغية، وتسلل الأعمال وصناعة الدعاة واللوبيات وأصحاب المصالح إلى العلاقة القائمة بين الناخبين وممثليهم. وهذا ما يعمق الهوة بين الجمهور ومن يعدون ممثلين له، بما يوحي بوجود أزمة حقيقية في الديمقراطية الممارسة بالتزوير.

إن المصالحة بين المواطن وأصحاب السلطة من المنتخبين في لبنان، غدا عسيراً فهمه، إذ لم يسبق للميثاق بينهما أن كان مكشوفاً إلى هذا الحد. فالشعب والحكم يكاد يفترقان، ويكاد أن يصبح كل واحد منهما غريباً عن الآخر، في ظل الإدارة غير العادلة التي يشعر بها المواطنون. واغتراب السلطة عن الناس هو الذي يتهدد الاستقرار الهش، مما يفضي بنا إلى اللانظام والاضطراب. فلا بد إذاً من العمل بجد على معالجة الأسباب الحقيقية المتبيئة في قانون الانتخابات، للوصول حقيقة إلى معالجة ظاهرة فساد الميثاق.

* أستاذ في الجامعة اللبنانية