تحرير الموصل عقدة الارهاب الراحل والقادم

د. قصي الحسين

بدأت معركة تحرير الموصل. واستطاع الجيش العراقي والحشد الشعبي وقوات التحالف أن يحرر جزءاً منها. غير أن سير المعركة أخذ بالتباطؤ شيئاً فشيئاً حتى واجه عقدته، بل عقده مجتمكعة.

1- بدت معركة الموصل تثير نقاشات مذهبية بين القيادات الشيعية والسنية، بعد الاخلاء من “داعش”. وبدأ السجال يقوى بين حيدر العبادي ورجب طيب أردوغان، وفجأة أخذت الإدارة الأميركية تولي اهتماماً خاصاً بالموصل وسبل تحريرها المعجلة والمؤجلة. وهذه المواقف تبدو متواجهة فيما بينها، أكثر مما تبدو ذات اتجاه واحد. وكذلك تبدو ذات أغراض متعددة، أكثر مما هي تبدو ذات غرض واحد.

2- والسؤال المطروح عما تحمله مدينة الموصل في العراق من أخطار مباشرة. وعمّا يختبئ وراء هذه الأكمة العراقية من مخاوف، استدعت استنفاراً أميركياً وأطلسياً، كما استدعت جهداً دولياً وإقليمياً للإعداد لمعركة تحرير مدينة الموصل.

3- فلا يكفي القول بالمعاناة التي يسببها بطش داعش، حتى تقوى الحمية الأميركية لإنقاذ المدنيين في العراق من بطش التنظيم الارهابي وسطوته. إذ داعش موجودة في الرقة بسورية. وهي أيضاً تعيث فساداًَ هناك. فلا بد إذن من أن تكثر الأسئلة إلى الجهات الأميركية والأوروبية عن بروز معركة الموصل كأولوية عن غيرها. ولا يقنعن أحداً تقديم الأجوبة البسيطة والسطحية، التي تختصر بالأخلاق ونداء الواجب الإنساني ونصرة الشعب العراقي المظلوم بداعش وأخواتها.

4- إن الحرب على “موصل داعش”، إنما تفتح على حديث معركتها الخلفية، حيث نرى كيف تحشد الولايات المتحدة رجالها من مستشارين ورجال استخبارات وعدة وعتاد. كذلك نرى كيف تعلو الأصوات الكردية، والأصوات السنية، والأصوات الشيعية والأصوات التركمانية. كيف تحتشد إيران، وكيف يحتشد الخليج، وكيف تحتشد روسية في سورية من الرقة حتى تدمر وحتى درعا. وكيف تحتشد تركيا في بعشيقة كما في الباب.

5- إن الصورة الضبابية التي تثار على أرض الموصل اليوم، إنما تعد العدة “لداعش” آخر يرث داعش الأول. منظومة جديدة ليس همها، لا الأمن ولا الاستقرار ولا حياة الناس ولا العراق ولا العراقيين، لأي جهة انتموا، وإنما همها النفط والإمساك بالعقدة التي تسمى الموصل اليوم، وهي عقدة الاستحواذ لا التحرير على الرغم من الحديث المنادي بالعفة الأميركية عن طمع أميركا بالنفط.

6- في هذا الإطار، تظهر تركيا بصورة مباشرة في بعشيقة، وخلفها دول مجلس التعاون الخليجي، لمواجهة الحشد الشعبي والتذكير بجرائم الميليشيات حين دخلت الفلوجة. ولهذا نرى الاتصالات والجولات والزيارات التركية. وهي كثيفة وغنية الدلالة في كثافتها. وهذا ما يعقد الموقف في الموصل، ويجعل من المدينة عقدة الارهاب الراحل والقادم على أرضها.

7- غير خفي إذاً، أن اللاعبين في الموصل اليوم، بقدر ما هم محليون، هم أيضاً اقليميون. وبقدر ما هم اقليميون، هم أيضاً دوليون. وبقدر ما هم عرب، هم أيضاً إيرانيون وكرد وبقدر ما هم شيعة، هم أيضاً سنة.

8- داخل السجال في الأروقة البعيدة الأميركية – الروسية، تظهر سورية وقبالتها العراق. وداخل السجال التركي – الإيراني، يظهر المعسكر التركي في بعشيقة، مقابل المعسكر الإيراني في بغداد. والسؤال الذي يبادر إلى ذهننا اليوم: كيفية توزيع المغانم في “مجعلة” الموصل. وهو سرّ تأخير التحرير.

9- يضع السياسيون العرب والسنة شروطاً لتحرير الموصل وأبرز هذه الشروط عدم مشاركة الحشد الشعبي في معركة التحرير. ويعللون ذلك بما حصل في “صلاح الدين” و”الفلوجة” والجرائم المروعة التي وقعت هناك. فمن يقود هؤلاء السياسيين السنة, ومن هم على رأسهم. وكيف باعوا العراق في العام 2003 بالجملة، ليشتروه اليوم بالمفرق.

10- وهل التقارير التي كتبت اليوم وتكتب، هي من وضع كتاب ومدونين آخرين، لم يكونوا في الماضي القريب، في صورة العراق وأوضاعه المزرية إنسانياً، حين فتك بأهل بغداد في العام 2003 وهل أن “منظمة رايتس ووتش” اليوم ونائب مدير قسم الشرق الأوسط في هذه المنظمة، جديد عليه ما قد يجري في الموصل بعد تحريرها. هل بلغت الانسانية هذا القدر من الرقي، حتى تكون لها الخشية من الحشد الشعبي، وحتى يكون لها هذا التهويل بعد التحرير.

11- إن الحشود العسكرية التي قامت في بغداد قبل داعش وأثناءها وبعدها، هي هي. مسحوبة على القاعدة النحوية التي تقول: كنت أظن الزنبور صرصوراً (للمذكر والمؤنث) فإذا هو هو، وإذا هي هي: فلا نستطيع أن ننتظر مصالحة الروس والأميركيين على أرض الموصل، ولا مصالحة العرب والإيرانيين على أرض الموصل، ولا مصالحة السنة والشيعة على أرض الموصل، ولا مصالحة الأتراك والكرد والإيرانيين والإماراتيين أيضاً، على أرض الموصل. لا نستطيع تأجيل تحرير الموصل حتى تنتهي هذه المصالحات الكاذبة. ولهذا تكون الموصل هي العقدة، ولهذا يكون العجز عنها ولهذا وذاك أيضاً تكون الموصل عقدة الإرهاب الراحل والقادم.

 

اقرأ أيضاً بقلم د. قصي الحسين

نعم لريما خلف وفلسطين الجريمة ماثلة

 بكائية البحر الميت

 مع تيمور جنبلاط تراث كمال جنبلاط في الحفظ والصون

جدوى “دراسات المستقبلات” أميركياً صناعة القرار

محمد حسنين هيكل عام على أيقونة الصحافة

ترامب وفوبيا المؤتمرات

الانتخابات النيابية فلسفة الوجبة الناقصة

خطاب الكراهية المقارن ترامب وعبد الناصر

آستانة وجنيف سورياً

عن الرئيس ترامب محاصراً

 كاسترو ثائراً وحاكماً مختلفاً

التسامح السياسي وآفاقه في لبنان

صادق جلال العظم سورية في القلب

الاتحاد الأوروبي ولعنة الهويات

العجز عن لبنان

وحدة القطبية والاستبداد

حسن إدارة الإنقسام أولاً

رحيل شريف فياض أضاء الشعلة ومشى

لبنان: ديوان المظالم

قراءة معمقة في كتاب “أنسنة الدين”